القراءة الفيلمية.. جمالية الاستحالة-نورالدين بوخصيبي-المغرب
 
 
   سينما  >> القراءة الفيلمية.. جمالية الاستحالة

  ملصق فيلم "موديراتو كونطابيل"   


 عندما تجد نفسك غارقا في كتابة "قراءة" فيلم ما، تحس كما لو أنك تسير على أرض مزروعة بالألغام. و تحرص أن تخرج من هذه الأرض الملغومة سالما غانما في نهاية اللعبة.. فخاخ كثيرة و منزلقات تجد نفسك ملزما باللعب معها لعبة القط و الفأر كي تخرج على الناس – هذا إن قدر لك أن تخرج – ظافرا بـ "قراءة" تريدها أن تكون مختلفة عن  قراءات سابقة.
  تحذر جيدا كي لا تسقط في فخ تكرار حكاية الفيلم، أو في ابتذال التعليق المباشر.. و تتحاشى السقوط في التأويل الزائد عن الحد، أو في الشكلنة المفرطة التي تحيل الفيلم إلى مجرد خطاطات تفقدها طابعها الإنساني الحياتي الدافئ و الدافق. مثلما تسلك طريقك بين الألغام في حذر من السقوط في فخ الانطباعات الذاتية التي لا تتمكن من الغوص بعيدا في هذا الشيء الغريب المسمى عمق العمل الفيلمي. أو فنية الفيلم السينمائي، و قس على ذلك...
  و لعل المصدر الأساسي للصعوبة، أو للاستحالة التي هي باستحالتها جميلة و ممتعة بحق، أن شكل انتظام العمل الفيلمي هو من طينة مغايرة لانتظام فعل القراءة. قيل الكثير عن أن الفيلم كتابة بواسطة الصورة، بينما القراءة أداتها الكلمة المكتوبة. و تندرج الصورة بالأساس ضمن السجل الخيالي فيما تنتمي الكلمة بالأساس إلى السجل الرمزي..الصورة بما هي خيال هي لحظة للهروب من وعثاء الواقع الصعب ليس من خلال إقصائه و لكن من خلال محاولة رصده في تفاصيله الصغيرة و الدقيقة. بينما الكلمة بما هي تنتمي إلى البنية الرمزية تتمثل منزلتها أساسا في تغييب الواقع من خلال وهم استحضاره أو التعبير عنه.
  و يتردد كثيرا أننا نعيش اليوم ما بات يسمى بعصر الصورة.  الصورة متوحشة لدرجة أنها أضحت تأكل بعضها البعض مثلما هي تتغذى من هذه المقدرة المفرطة في أكل بعضها. و أضحى الواقع شبحيا تماما.. و يلاحظ اليوم تهافت عالمي على الاحتفال بالصورة في المحافل الدولية. باتت الصورة بمثابة عروس معممة ينبغي أن تزف في كل مكان على أنظار ماكينات و مختبرات الصورة عالميا أيضا.
  من الطبيعي في هذا الوضع أن تعمل البنية العالمية لصنع الصورة، بما فيها الصورة الفيلمية، على خلق و تناسل من يروجون لها على مستوى الكلمة المكتوبة. فللصورة أيضا أبواق الدعاية الكثيرة الخاصة بها.. و لذلك أيضا ما هو واقعي أو ما قد يكون واقعيا في ذلك كله هو ذلك اللقاء الشاذ، لحظة القراءة، مع فيلم يمتعك حقيقة..
لحظة القراءة الفيلمية هي لحظة لقاء ممتع مع موضوع هارب. وسط الضجيج السينمائي العالمي، و الوطني أيضا في علاقة به، يحدث أن يشذ عمل ما عن القاعدة. و يحدث أنك تحاول في قراءتك التمسك به مثلما يتمسك الطفل بثدي أمه. و كلما أمعنت في محاولة الاقتراب منه، و جدته مثل فرس جموح يهرب منك. ما إن تتوهم الاقتراب من معانيه حتى تجد أنك لا تمسك إلا بالوهم، و أنه يخفي عنك معاني أخرى كثيرة، و أن ما يطرحه عليك في العمق هو أزمة المعنى في ارتباط بأزمة و قلق الحضارة ذاتها.
 لذلك لا يمكن للقراءة الفيلمية أن تكون سوى قراءة عاشقة. في فيلم "موديراتو كونطابيل" المأخوذ عن رواية للكاتبة مارغريت دوراس بنفس العنوان، تقول البطلة مخاطبة الرجل الذي أحبته: "أريد منك أن تقتلني"، و تلح عليه كثيرا في هذا الأمر.. داخل كل عشق تكمن بذور الجريمة.. الفيلم الجميل هو الفيلم الهارب منا على الدوام.. لذلك عندما تعجز عن اللحاق به فأنت تهيء نفسك لتقلته. هنا بالضبط تكمن روعة القراءة الفيلمية. في هذا الحب المستحيل المرتبط بقتل مستحيل.. 
  و إذن ما هو مستحيل هو ما لا يتوقف عن دعوتنا إلا اللحاق به عبر هذا الذي يسمى قراءة فيلمية. بتعبير آخر، لأن هذا الفعل يرتبط بالمستحيل فهو يعود باستمرار، أو يتكرر باستمرار لكن بأشكال مختلفة. وسط الركام العالمي للصورة يلمع بريق ما من هنا و هناك. تحاول أن تمسك بما يلمع. غير أن للمعان قوته أو سحره الخاص الذي ينتشلك لتصبح أنت نفسك موضوعا للقراءة.. موضوعا لنظرة ما لا بداية لها و لا نهاية.
تذييل لا بد منه:
العديد من الأفلام المغربية لا تحفز مع الأسف على القراءة. إنها لاتعطيك ما يسميه فرويد بالدازدينغ. الشيء الهارب الذي يجعلك تحمل قلمك لتتعقبه. لا يقذفك الفيلم المغربي نحو تجربة الحد.. في تجربة الماوراء لتقترب مما يسمى بالواقعي الذي يسقط. لتقترب من تجربة الموت.. من تجربة المستحيل.. و مع ذلك سنظل نتعقب أفلامنا من أجل قراءة ما بحثا عن مستحيل ما لا يكف عن الاستحالة.



 
  نورالدين بوخصيبي-المغرب (2014-07-17)




تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
 


متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر  |   أقوال و حكم 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
all    Conception :
Linam Solution Partenaire : chafona, Cinephilia

مجلة الآداب العربي   موقع القصة القصيرة المغربية والعربية   القصة المغربية القصيرة   فن الرواية والقصص الأدبية   أخبار القصة القصيرة   القصة القصيرة جدا   الأدب المغربي   إصدارات ثقافية مغربية   إصدارات ثقافية عربية   موقع الموسيقى المغربية والعربية   أخبار المهراجانات بالمغرب   أخبار السينيما المغربية   الأدب المغربي الحديث   مجلة الآداب   السينما المغربية   الأدب العربي   أخبار الثقافة العربية   آخر الأخبار الثقافية والفنية   أخبار فنية   أخبار فنية عربية  

موقع القصة القصيرة المغربية والعربية
| القصة المغربية القصيرة | فن الرواية والقصص الأدبية