أية إقامة للذات في " سقف من فراشات " للشاعر نزار كربوط ؟-عبد الغني فوزي-المغرب
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
إصدارات

أية إقامة للذات في " سقف من فراشات " للشاعر نزار كربوط ؟

     

صدر مؤخرا عن دار مرسم بالمغرب للشاعر نزار كربوط ديوان شعري بعنوان " سقف من فراشات ". وهو لحظة شعرية مكتنزة بعد ديوانيه " رماد عاشق " و " أحمري يبتلعه السواد " . ولا أخفي أني سامرت تجربة هذا الرجل في الحياة والكتابة ، وأدركت دون حجب أو عواطف غافلة ، أنه من طينة الشعراء الذين لا ينامون على اليقين ولا يقتاتون معرفيا على الرواسب والحقائق المتكلسة . وصاحبنا بهذه الصفة يمسك النص بقوة الحرائق والاحتمالات ، ليبدو جديرا بالشعر . وهو ما يحفز في المقابل على طرح السؤال حول الإضافة المحتملة في هذا الديوان ، الإضافة التي تتولد من خلال وعي الشاعر بأدوات اشتغاله في مساره الشعري ، بخلاف مراكمة الأغلفة دون انعطافات ولا آفاق جمالية وتخييلية .
          الديوان قيد النظر، يتكون من قصائد معدودة ، لكنها متفرعة كشجرة أنساب وهي : كأنه شاعر ، غياب صفر كالوري ، مقص يلاحق معطفي ، لماذا ترسمها عارية هكذا ، للضوء حكمة أخرى ، دانتيل . يبدو الشاعر نزار في منجزه الشعري هذا موغلا في التفاصيل إلى حد تتحول معه الذات المتكلمة إلى خيط راقص بين المشاهد على تناقضاتها ؛استنادا على متواليات تركيبية منضدة باستعمال لغوي كثيف لا يخبر ويقول ؛ بل يلمح ويشير . فتبدو معه كل مقطوعة شعرية مضغوطة كطبقات ، على قدر متنوع من التشكيل والتخييل . وهو ما سنقوم بتجلية بعض ممكناته التعبيرية والرؤيوية .
          تحضر الذات بشكل لافت للنظر في هذه المجموعة  ،مثلما في مجموعتي الشاعر السابقتين . وأكيد أنها ذات تتشكل جماليا بدورها ، وتتبلور كعماد خطاب على قدر كبير من المرتكزات المعرفية والحياتية الممتدة إلى اللغة ، لتجذب التناقضات وتقولبها في حبات الاستعارة والترميز . والأجمل أن الذات هنا اغتنت وبدأت تبحث عن موقع شعري حواري يثير الأسئلة العالقة بين المكان والزمان ، مكان خاص تحول إلى معبر جماعي في الذاكرة والتصور . ونفس الأمر بالنسبة للزمن الذي يفقد معالم المرجع . فاحتشدت  القصائد الناضحة بحوارات شعرية مع النادل ، السيجارة ، البياض ، اللوحة ،  الغياب ، المقص ، العري ، الظل...قد يخلق ذلك تعميقا لهذه المفردات إلى حد تتحول معه إلى قنوات لتمرير حالات ومواقف ، مشاعر ورؤى.. وأظن أنها مهمة إبداعية جليلة يخلتف في مقدرتها الشعراء أي تحويل الكلمات المنتقاة إلى كائنات لها حياة جديدة وتموقعات أخرى غير رتيبة . طبعا بفعل المياه التي تجري بالداخل ، مياه المعنى وقوة المعايشة بالحواس في اللغة . نقرأ في نص " كأنه شاعر " من المجموعة :

لم يعد يتذكر ملامح الكراسي
التي جالس فيها أحزانه الوفية
يسترجع آخر مرة نسي فيها موعده
مع قصيدة صغيرة
تقلد مشية المتنبي
وصوت مجاز جريح
لم تلتئم كلماته بعد

فالذات المتكلمة في النص ، تنصهر في ذاك الجماع المدعو " نصا " ، فتأتي في حلل جديدة كممكنات تخييلية ورؤيوية مغايرة ، في حاجة دائمة إلى كشف وتأويل . وهو ما يثبت أن الذات عماد شعرية هذه الأضمومة ، الذات كفاعليات نفسية وحدسية..فتنطرح في النص أو في تلك المساحات العالقة حياة أخرى ملازمة أمام سطوة الواقع واليومي ، فكان البحث محموما عن المعنى ، ضمن الابتذال والتنميط الطاغي والساري .
            بناء على هذا العرض ، فالديوان زاخر بعدة أنفاس منها النفس السردي الماثل في حكي شعري له ميسمه الخاص على مستوى التتابع غير الحدثي ، بل تسلسل حالات عبر توصيف شعري يخرق المطابقة . هنا قد يكون السرد رهانا لرصد التفاصيل والسعي إلى الإحاطة بها ضمن قبضة القصيدة . ويبدو أن الشاعر على وعي بهذا الحضور للسرد ضمن البناء الشعري الذي يكسر خطية الزمن والحكي ، ويستحضر الحدث ليستبطنه إلى حد يقربه من الحالة . ولا يتأتى ذلك إلا من خلال توصيف شعري يعتمد الخرق فيما يتعلق بأطراف الوصف ، لأن كل تلك الأطراف إلا وتمر عبر الذات ، فيتم تذويتها  . فيسقطنا هذا في البعد الأوتوبيوغرافي والذي نراه حاضرا هنا ، من خلال تقديم جوانب عديدة من ذاكرة الشاعر أو يومياته بشكل شعري ، يكسر التطابق ويبدد من حدة الدال الواقعي بصور واحتمالات تعمق وتجدد في اتجاه المستقبل . نعم يمكن عرض بعض المعطيات السيرية عبر الشعر ؛ لكن دون السقوط في نوع السيرة . لابد ، إذن ، من خوض تلك المعركة والمغامرة للانتصار للشعر كخطاب مخصوص يمكن أن ينفتح على فنون وجماليات أخرى دون اندغام يكسر الحدود ويقوي من حضور الالتباس . ورد في نص " للضوء حكمة أخرى " في مجوعة " سقف من فراشات " :
كانت تكتب قصائد نثر فوق ظلي
فكرت أن أقرأها..
لكنني أضعت لساني هذا الصباح
 
            بعد هذا الرصد والذي ركز على بعض مفاصل هذه التجربة في " سقف من فراشات "  ؛وبالأخص ما يتعلق بالذات وتمظهرها ، واللغة وشعرية التكثيف ، إضافة للبعدين السردي والأوتوبيوغرافي .لا بد من التنصيص ، على أن هذه الملامح والممكنات الجمالية حضرت في منجزه الشعري السابق بنسب متفاوتة الحضور والصياغة . لكن أراها الآن تمددت وبدأت تتشعب على ضوء تعدد المقروء وامتداد التجربة وقوة المشاهدة والتأمل الشيء الذي جعلنا أما نص مركب يرقصك عبر طبقات من التشكيل الجمالي والتخييلي. لهذا فعناصر الإضافة بادية في الاشتغال الدؤوب لهذا الشاعر الذي يعمق الصلة دوما بالحياة والشعر . فعلا السقف الشعري ، وبالفراشات نظرا.



 
  عبد الغني فوزي-المغرب (2014-10-03)
Partager

تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

أية إقامة للذات في

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia