كلملة في حق المخرج كمال كمال-فؤاد زويريق-شفشاون
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
متابعات

كلملة في حق المخرج كمال كمال

الكلمة التي ألقاها الكاتب والناقد السينمائي فؤاد زويريق في حفل افتتاح الدورة السابعة من الملتقى الوطني للفيلم القصير هواة بشفشاون، وذلك بمناسبة تكريم المخرج  كمال كمال:


بادئ ذي بدء أتقدم بالشكر الجزيل لإدارة هذا الملتقى المتميز التي أتاحت لي فرصة المشاركة بكلمة موجزة في حق وجه من وجوه السينما الوطنية، وجه نحترمه ونجله ونقدره ونفتخر به، إنه المخرج الكبير الأستاذ "كمال كمال".

في الحقيقة لا أعرف من أين أبدأ كلمتي هاته، هل أبدؤها بالحديث عنه؟ أم بالحديث عن هذه المدينة الساحرة التي عانقتنا بكرمها وجمالها وحسن ضيافتها، بل لا أعرف حتى كيف أبدؤها؟ كيف أبدؤها وقلبي ينبض نشوة وسعادة وأنا أقف بين يدي جبال علمت التاريخ الشموخ والعزة، كيف أبدؤها وأنا في حضرة رجل علم السينما المغربية كيف تنطق ألحانا وتتكلم أنغاما، هي مصادفة جميلة هذه التي نشهدها الليلة : فلا أشك في مصداقيتها أبدا، ولا في استحقاقها، مصادفة خلقت لتكريس الحياة وتحبيبها للزائر والمتلقي معا.. شفشاون مدينة الدهشة، تلك "السيدة الحرة" التي خلقت من رحم الفن بلونها ومعمارها وأناسها تحتضن الليلة عرسا ليس كباقي الأعراس، عرسا فنيا ينطق أناقة ورقيا، ينطق سينما وكفى، السينما تلك المصيدة الجميلة الراقية، وذلك الإدمان البصري المدهش الذي لولاه لما كنا هنا جميعا، في هذا المجمع النبيل، النبيل برسائله وأهدافه، إنها حمامة بيضاء تعكف على نثر السلام من سماء المحبة، هي أيقونة أيضا، أيقونة الفكر والروح معا، فنحن هنا من أجلها ومن أجل رجالاتها أولئك الذين بصموا سجلها بأعمالهم وروائعهم، وكمال كمال لا يستثنى من أولئك، فلا عجب إذا أن تحضنه زرقة هذا الفضاء وتكرمه جباله، هو هنا لأنه أخلص لفنه ووفاه حقه واستوعب رسالته فجاء بما يستحق عليه هذا الاحتفاء من هذه المدينة.

المخرج كمال كمال فنان بحق، ذكي في اختياراته، مصيب في رؤيته ورؤياه. أعطى للسينما الكثير وحاول أن يخضعها لقواعد أخرى غير تلك التي عرفت بها، قواعد أسسها على خطابات جديدة -على الأقل بالنسبة لنا نحن المغاربة- خطابات تعتمد على فن آخر لا يقل رقيا عن الفن السينمائي، هو الفن الموسيقي، هكذا نجده يشرك هذا الفن في جل أعماله تقريبا كشخصية رئيسية ومحورية، وهذا لم يأت اعتباطا بل أتى من خلفية موسيقية ميزته وجعلته يدمج آلاته الموسيقية بأخرى سينمائية ليبدع لنا في النهاية أفلاما سمفونية إن صح هذا التعبير.

وكما قلت في مناسبة سابقة المخرج كمال كمال، تجرّأ على العرف السائد داخل الوسط السينمائي، وانطلق من تجربته الذاتية ليعممها على كافة أعماله تقريبا، وأطلق صرختين حطمتا البناء الداخلي للفيلم المغربي المتعارف عليه تلفزيا وسينمائيا، فأصبحت الكاميرا لديه ليست مجرد آلة تصوير فقط، بل أصبحت أداة من أدوات البناء كريشة رسام وكقلم شاعر وكآلة موسيقي... ترسم وتكتب وتعزف لوحات وقصائد ومعزوفات تستقي من الفن مواضيعها، وتعرف الجمهور بجوانب أخرى من ذاته، عليه اكتشافها والاهتمام بها، لم تتولد هذه الصرخات الثنائية من فراغ بل نهضت من حلم يسكن هذا المخرج المغربي، حلم يجمع بين الموهبة المتعددة والممارسة العملية للسينما كفن وليس كعمل وهذا سر نجاحه.
تماهي الموسيقى مع السينما اللذين تفنن كمال كمال في الاشتغال عليهما، يبرز ويظهر قيمة سامية أخرى مغايرة تلغي الحدود وتحطم قيود المجتمع لتكريس فضائل تقوم عـلـى ركام الواقع اللاإنساني الذي يتخلله ويستعمره خصوصا في هذا الوقت بالذات الذي نحتاج فيه إلى كاميرا إبداعية صادقة تجمع الوتر بالصورة وتدفعهما لمجابهة العتمة، تلك التي يحاول أصحاب الفكر الضيق نشرها وتعميمها.

المخرج كمال كمال فنان حساس بطبعه ليس في أعماله فقط بل حتى في علاقته مع الآخرين، فالكل يشهد له بصفاء سريرته ونقاء قلبه وحبه للآخر، عشق فنه وضحى من أجله ومازال، وفي عشقه هذا طور شخصيته ومنحها ما تستحقه من فضائل هذا الفن أو ذاك، كما أن عشقه هذا لم يقتصر عليه فقط، بل نقله إلى أقرب إنسانة لديه، وهي ابنته التي حملت جيناته الموسيقية والسينمائية أيضا.

الذي لا يعرفه البعض ربما، هو أن كمال كمال يعاني دائما ويتألم لإيصال فنه إلى الجمهور، يعاني ماديا ويتألم إبداعيا، لا يشتكي ولا يتأوه أمام الكاميرا ولا خلفها، بل يحتفظ بمعاناته وآلامه لنفسه لا يهمه سوى إيصاله المتعة لجمهوره، كمال كمال يتقن إدارة الممثل لا يكتفي بإعطاء الأوامر والتعليمات بل يستقبل الاقتراحات والأفكار أيضا، يعالجها ثم يمررها بصمت، وهذا ما أجمع عليه كل من اشتغل معه، فالكل يجمع على عدم ديكتاتوريته، لهذا تجد أعماله مميزة لأن العمل فيها جماعي لا فردي.

كمال كمال يجتهد في إيصال إبداعه في أعماله التلفزيونية كما السينمائية، رغم الاختلاف بين الاثنين في الميزانيات والمعايير، وما فيلماه التلفزيونيان (الركراكية، والصالحة) إلا دليل على ما ذكرناه، إضافة إلى اجتهاده ما أمكن في تحقيق حلمه وهوسه في أعماله السينمائية ابتداء من طيف نزار إلى الصوت الخفي مرورا بالسمفونية المغربية... كمال كمال يستحق هذا التكريم، يستحقه ليس لكونه مخرجا وكفى، بل لكونه مبدعا، يعرف كيف يبدع إنه يتفنن في تطوير أعماله، يتفنن في استخدام مواهبه، إنه يفكك الصورة وينقلها إلينا بصدق وإحساس قل نظيره، لا شك أن كمال كمال حصل على الكثير من الجوائز وتوج في العديد من المحطات، لكن هذا التكريم يعتبر تكريما استثنائيا لأنه يحمل بداخله مشاعر عفوية صادقة، ولأنه يحمل أسمى مشاعر الحب من مدينة ترشح جمالا وبهاء، فهنيئا له ولنا، وشكرا لكل من ساهم في تنظيم هذه الدورة، فهي دورة تستحق بدورها التصفيق والتشجيع والتنويه.



 
  فؤاد زويريق-شفشاون (2015-06-20)
Partager

تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

كلملة في حق المخرج كمال كمال-فؤاد زويريق-شفشاون

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia