ميخائيل نعيمة بين النقد والأدب-المصطفى البوسعيدي - المغرب
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
مقالات

ميخائيل نعيمة بين النقد والأدب

  ميخائيل نعمية    

   سيجد الباحث في النقد العربي الحديث أن كتاب"الغربال"لصاحبه ميخائيل نعمية لؤلؤة أدبية جديرة بالقراءة والاستيعاب، فهو عصارة معرفية للملكات الفكرية التي تميز بها الرجل. وهو″صفاء في الذهن واستقامة في النقد وغيرة على الإصلاح، وفهم لوظيفة الأدب وقبس من الفلسفة ولذعة من التهكم″ . كلها طرائف وحكم  تملأ قلب قارئها بمزيد من العلم والمعرفة، والحكمة كذلك.


ومنه، فلا مفر للمطلع على مصادر النقد الحديث من العودة لهذا السفر الصغير، الغني بالكنوز الأدبية غنى الجرة بالسمن اللذيذ.


   وسيقتصر أمرنا في هذه المقالة على بعض آراء الكاتب النقدية المبتوتة في كتابه الغربال، والتي سنسعى من خلالها إلى استخلاص رؤية الناقد والأديب ميخائيل نعيمة  لكل من الأدب والنقد. مادام كل واحد منهما يحتاج إلى الآخر، احتياج النبتة للماء والسماد.


   وإذا كان ميخائيل من خلال غرباله يحدد المفهوم الأصح الذي ينبغي أن يكون عليه الأدب، فإنه يضع إلى جانب ذلك الشروط النقدية الحقة التي ينبغي لمتفحص الأدب الالتزام بها.


  فهو يدعو إلى ضرورة تحرر الأدب من التقليد والتحجر، وهي مهمة ملقاة على عاتق الأديب، باعتباره المؤهل الأول في تناول حاجياته الفردية، وفي كونه كائنا تكتنفه أسرار كثيرة، لا يكشف عنها إلا الأدب.


  ودعوة ميخائيل للأدباء تتجلى في أن يجعلوا من ذواتهم مصدرا للإلهام، لأن في ذلك إغناء لباقي الذوات التي تتلقى إبداعاتهم.″فالأدب الذي هو أدب، ليس إلا رسولا بين نفس الكاتب ونفس سواه، والأديب الذي يستحق أن يُدعى أديبا هو من يزود رسوله من قبله ولبّه″ . والأديب الصائب هو من طاوعته نفسه في كشف المستور وتبيان الغامض، والتعبير عن اليأس كما التمني والرجاء. هذا الأدب الذي يُداوي النفوس، ويُصلِح ما اعوج منها. كما يحرك الهمم، وينفس الكرب، ويبدل الحزن فرحا، والإلحاد إيمانا. وهي لعمري، رؤية أدبية نقدية تروم بناء الذات بناء مستقيما خال من أدنى شروط الظنون والأوهام. ليقترب بذلك صاحبها من العالم، ويقترب العالم منه.″فرب قصيدة أثارت فيه عاطفة من العواطف. ومقالة تفجرت لها في نفسه ينابيع من القوى الكامنة، أو كلمة رفعت عن عينيه نقابا كثيفا.أو رواية قلبت إلحاده إلى إيمان، ويأسه إلى رجاء، وخموله إلى عزيمة، ورذيلة إلى فضيلة، تلك مزية قد خص بها الأدب″ .


تم إن هذا النوع من الأدب الذي يصيب هدفه، فيطهر النفوس ويغذي الروح من جديد، هو الأدب الذي يكتبه كاتبه وفيه لمسة من الوجدان والإحساس، أدب فيه من مبادئ النفس وإماراتها ما يشهد عليها منذ قراءتها الأولى،″لأنه لا يخلد من الآثار إلا ما كان فيه بعض الروح الخالدة″ .


   وبالمقابل، إذا كان الأدب عند نعيمة تعبير عن الذات وعن الجماعة، وإصلاح للملكات الفكرية، وبناء للأفراد والأمم، فالنقد في نظره،كذلك، لا يقل أهمية على الأدب، لكونه يقف إلى جنب الإبداع، فيبرز أخطاءه، ويجنبه ثغراته بعد ترميمها، ويكشف الصالح من الطالح. ل:″أن مهنة الناقد الغربلة. لكنها لسيت غربلة الناس. بل غربلة ما يدونه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول. وما يدونه الناس..ما تعودنا أن ندعوه أدبا″ . لكن كيف تتحقق الغربلة؟ وهل لها شروطها الخاصة أم لا؟ بالتأكيد للنقد أدواته الإجرائية كما يحددها مغربل الغربال. من بينها الاحتكام إلى الموضوعية والتسلح بالمعارف الأدبية واللغوية، والابتعاد عن الذاتية لأنها تجر إلى العمى وتورث البلى. كما تحجب رؤية الشمس وهي صافية. والابتعاد عن الأحكام الانطباعية، لأن ذلك ولى لزمن تم تدارك أخطائه. حتى إذا ما تحقق هذا كله، كان لزاما على الأديب والناقد ضرورة التمييز بين شخصيته الكائنة بلحمها ودمها، وبين شخصيته الفكرية، لأنه متى انعدم ذلك غابت رؤيا البصيرة الأدبية: الإبداعية منها والنقدية. وهي حقيقة نجدها عند ميخائيل في قوله:″إن شخصية الكاتب أو الشاعر هي قدسه الأقدس. فله أن يأكل ويشرب ويلبس ما شاء ومتى شاء وحيث شاء. له أن يعيش ملاكا. وله أن يعيش شيطانا. فهو أولى بنفسه من سواه. غير أنه ساعة يأخذ القلم ويكتب. أو يعلو المنبر ويخطب. وساعة يودع ما كتبه وما فاه به كتابا أو صحيفة ليقرأه كل من شاء، ساعتئد يكون كمن سلخ جانبا من شخصيته وعرضه على الناس قائلا: هو ذا يا ناس، فكر تفحصوه. ففيه لكم نور وهداية. وهاكم عاطفة احتضنوها فهي جملية وثمينة ″.


   إن فضل الكاتب كما يرى نعيمة يكمن في كونه رجل خبرة ومعرفة له من الشروط ما يجعله على خلاف غيره من المميزات، وهي:


   - تمييزه الجميل من الشنيع والصحيح من الفاسد.


   - قدرته على انتشالنا من خرافات أمسنا وتراهات يومنا.


   - اختلاف النقاد فيما بينهم يعد تكاملا يعكس قوة تميزهم الفطرية.


والناقد مرشد، لأنه كثيرا ما يرد كاتبا مغرورا إلى صوابه، أو يهدي شاعرا ضالا إلى سبيله . لا أن نرى فيه عدوا ومحاربا يجني على عمل غيره، أو أن نرى في النقد حربا بين الناقد والمنقود كما يذهب ميخائيل، بل يكفيه من صدق الصفات للقيام بعمله   المحبة لمهنته، والغيرة على موضوعه، ودقة الذوق، ورقة الشعور وتيقظ الفكر.. فالناقد الذي توافرت له مثل هذه الصفات لا يعدم أناسا ينضوون تحت لوائه، ويعملون بمشيئته، فيستحبون ما يحب ويستقبحون ما يقبح. فيصبح سلطانا تأتمر بأمره، وتتحلى بِحلاه، وتتذوق بتذوقه ألوف الناس. إذا طرق سبيلا سلكوه. وإذا صب نعمته على صنم حطموه .


 


   والحق، أنني وجدت من خلال هذه الآراء المصقولة مجموعة من الحقائق الأدبية والقضايا النقدية ما يصلح منها للتعليم والتعلم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بكتب نقدية وإبداعية رغم خفة وزنها فهي حبلى بمعارف عميقة تشفي غليل نفوس تلامذتنا وطلابنا اليوم، نفوس فارغة فراغ الحلزون داخل قوقعته بعد صيام لمدة طويلة.


   قد يسأل البعض وأي فضل للناقد إذا كانت مهمته لا تتعدى الغربلة؟ فهو لا ينظم قصيدة، بل يقول لك عن القصيدة الحسنة إنها حسنة. وعن القبيحة إنها قبيحة. ولا يؤلف رواية. بل ينظر فيها ليقول أعجبني منها كذا ولم يعجبني كذا،  غير أنه رب من لا ينظم القصيدة أو غيرها يقرأ فيها أكثر مما أودعها ناظمها .


 


   وبناء على سبق، إن ميخائيل نعيمة من خلال ما جادت به قريحته النقدية ضمن مؤلفه الغربال، قد وضع مجموعة من المقاييس العلمية التي تضع مفهوما جديدا للأدب وللأديب، إذ الأدب كما يريد هو الذي يعبر عن هموم المجتمع ويعكس آمال والآم أهله، أدب تختلط فيه الحياة ويستجيب لفضول القراء، كما رسم منهجية نقدية لمن أراد ممارسة النقد وفق شروطه المعقولة، وهي في نظرنا آراء وأفكار بناءة تجعل المتمسك بها في استعداد دائم لمواجهة متغيرات الحياة، وخوض غمار الإبداع والابتكار باستمرار.





 
المصطفى البوسعيدي
  المصطفى البوسعيدي - المغرب (2015-09-30)
Partager

تعليقات:
غازي خيران الملحم /سوري 2015-11-09
الحديث عن نعيمة حديث ذو شجون, لقد عرفتة من خلال كتاباته وكتبه العديدة,وحتى اشعاره التي طالما رددنا بعضها في عهد الصباوزهوةالشباب
الاول, كانشودة:
ركن بيتي حديد..ركن بيتي حجر..اعصفي ياريح..
وانتحب يا مطر..لست اخشى الخطر..فشكرالطنجة
الادبية وللكاتب,ورحم الله ناسك الشخروب,نعيمة..
البريد الإلكتروني : gaze06@gmail.com

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

ميخائيل نعيمة بين النقد والأدب-المصطفى البوسعيدي - المغرب

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia