الإغتراب النفسي... - 2 - حوار مع أبي العلاء المعري-كريم مرزة الأسدي - العراق
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
مقالات

الإغتراب النفسي...
- 2 -
حوار مع أبي العلاء المعري

  كريم مرزة الأسدي    

ودّعناكم في الحلقة السابقة ، وأوعدناكم أنْ نطلَّ معكمْ على أبي العلاء المعري (973 -1058م/ 363 - 449 هـ) وعصره , وها هو ذا يندهش من مجيئنا المفاجىء , وهو بين قصعة عدسه , وكسرة خبزه , ودبسه وتينه  , وما أنْ بادرته بالسؤال  - بعد السلام - عن أحواله حتى أجابني بهدوئه المعتاد , وتعقله المعروف, آلا :
تراني في الثلاثة من سجوني          فلا تسألْ عن الخبــــــر النبيثِ !
لفقدي ناظري ولزوم ِ بيتــي         وكون الروح في الجسد الخبيثِ
قلت له  : يا شيخنا الجليل ,هل هذه هي الحقيقة المرة التي وصلت إليها بعد بحثك المستميت عن الحق ؟ قال لي  : بحثت عن الحق , وذقت الحق , ولمّا أصل إلى الحقيقة !
سألتموني فأعيتني إجابتكمْ       منْ أدّعى أنـّه دار ٍفقد كذبا ؟
عجيب ! أعانك الله - يا مولاي - دنيا وآخرة... وهل أنت مشتاق إلى دنياك ؟...فأجابني:  وأنت غريب أمرك , ألم أخلف بينكم
تعــبٌ كلـّها الحياةُ فمــا أعـْــــــ          ـجبُ الا من راغبٍ في ازديادِ
إنَّ حزناً في ساعةِ الموتِ أضعا          فُ سرور ٍ في ســـاعة الميلادِ
إذن هنالك سرور في الحياة يا أبا العلاء ... قال: نعم سرور الأباء بالأبناء لتخفيف الأعباء , وتلطيف الأجواء , والإنسان متجاذبٌ متنافرٌ مع الإنسان ...عذاب مستديم , ولذات متقطعة للتغطية  ! ...وماذا تقترح يا شيخنا ؟!  ... سألني مستنكرا , , كاظماً غيضه , أأنت أتيت لي مع جمعك بدون استعداد مسبق , ولا معرفة بشعري , وآرائي ؟! ...بلى , ولكن لتزداد قلوبنا إيمانا !... خفض رأسه قليلا , وعدل عمامته , ومسك بكفه الأيمن أطراف لحيته متأملا , ثم أردف : بالنسبة لي حسمت أمري , وأشهرت رأيي :
وأرحتُ أبنائي فهم في نعْــمة الـ     عدم ِالتي فضلتْ نعيم العاجل ِ
وبالنسبة لغيري على مدى العصور والدهور ,فهي مجرد أمنية لهم  , وما بيدي حيلة :
وليت وليداً مات ساعةَ وضعهِ             ولم يرتضع من أمّه النفساء
أجبته بهدوء , لكي لا أكدّرعليه يومه , وفكرته : لماذا هذا التشاؤم الفظيع المريع ؟ أنت وجاء من بعدك بثمانية قرون  الفيلسوف الالماني السيد ( آرثر شوبنهور ) , ودعا مثل دعوتك لمقاومة إرادة الحياة , والقضاء على الإشتهاء , بالإمتناع , ولابدّ من إرضائه بالضرورات ,فالحياة ألم منقطع , وليست اللذة الاّ شعوراً سلبياً بزوال  الألم   ... استعجلني الرد قائلا: دعني عن شوبنهور لم اسمع به , سنتحدث عنه من بعد , أمّا الآن أكمّلُ حديثي : تجربتي في الحياة كلـّها عذاب في عذاب , فاشفق على بني الإنسان من العذاب والهوان , والجوع والحرمان ,ارجع إلى قولي:
قضى اللهُ أنّ الآدمي معــــذبٌ         حتى يقول العالمــــــون بهِ  قضى
فهنىء ولاة الموتِ يوم رحيلهِ         أصابوا تراثاً واستراحَ الذي مضى
ما هذا الكلام يا شيخ المتشائمين , ادعِ ِ لنا بطول العمر , وصالح الأعمال ؟  ... رفع رأسه متكئاً على وسادته , ثم قال :يا أحفادي أنتم في وهم بريق اللذة , وغفلة العاقبة , وضحية االخدعة ,الحياة هبة أثيمة , وجناية عابرة , والويل الويل للغافلين والساهين , ونعمَ القائمون الأقلون بصالح الأعمال  , ثم تأفـّف , وهمس ببيت مع نفسه بالكاد سمعناه :
لو غربل الناس كيما يعدموا سقطاً       لما تحصل شيءٌ في الغرابيل ِ !
ثم رفع صوته , موجهاً كلامه إلينا ,ألم تقرأوا على قبري  ؟ :
هذا جناه أبي عليّ         وما جنيتُ على أحدْ
 لا أنا ولا أصحابي مررنا على قبرك الشريف ... إذن كيف وصلتم إليَّ؟!  ... عن طريق الشبكة العنكبوتية , الدنيا غير الدنيا , تغيرت  وتطورت , وعندنا ما لا تعرفون ! , دعنا المهم , أنت ركلت الحياة بقدميك , ومسكَتها بعقلـُك  حتى العشق , واعتزلت قومك , وأنت بيننا حتى النخاع , تاهت علينا الحقيقة , كما تهت أنت  بها   !...أردفني مندهشاً بقوله :عجيب غريب أمركم يا أحفاد أحفادنا , وهل أنا بينكم حقـاً صدقا ؟  ...  نعم بالتأكيد هلمّ إلينا نستضيفك يوما واحدا , ونستأنس بأفكارك عمرا , لترى ما وصلنا منك , وما كـُتب عنك , أيها العبقري العظيم !... أجابني بإنكسار , وخيبة أمل معتذراً , نحن أبناء الزمن السحيق نعرف قدر أنفسنا , ونعجز عن العودة الى الوراء أجداداً وأحفادا , كباراً وصغارا , ولو ليوم واحد , ألم تقرأوا ما دهديت إليكم :
لو عرف الإنسانُ مقدارَهُ        لمْ يفخر المولى على عبدهِ
أمس الذي مرّ على فربهِ      يعجزُ أهل الأرضِ عن ردّهِ
أضحى الذي أُجّل في سنـّه    مثل الذي عوجل في مهـــدهِ
وأنتم أيها العنكبوتيون , هل قدرتم على إرجاع أمسكم , وتأجيل موتكم ؟!....  كلا يا شيخنا الرائد ,نحن أعجز من أن نردَّ لحظة ,أو نؤجل الموت لحظة  !! ...اذهبوا إذن عني , وخذوا ما لانعلم معكم ! , الإنسان صغير والله أكبر, والرحمة أعظم ...و كررنا معه : الله أكبر ,والرحمة للعالمين , ولكن يا شيخنا لم نكمل الحوار ...قال : لا بأس, واصلوا رحمكم الله. 
 ونواصل معه...يا معلمنا  الكبير, ألم تقل من قبل ألف عام ! :
دفنـّــاهمُ بالأرض دفـــنَ تيقــــــن ٍ        ولا علمَ بالأرواح ِ غير ظنون ِ
ورومَ الفتى ما قد طوى اللهُ علمهُ          يُعدُّ جنونــــــاً أو شبيهِ جنون !
 احسبنا كما تشاء , ولا تغضب علينا ,وإنما نحن  أتيناك بناءً على تصريح مسبق نُسبَ إليك , تعلن فيه عنوانك الجديد بعد الإنتقال ! , تقول فيهِ :
خُلِقَ الناسُ للبقـاءِ فضلـّتْ        أمّة ٌ يحسبونهم للنفـــــاد ِ
إنّما يُنقلونَ من دار ِ أعما        ل ٍإلى دار شقوةٍ أو رشادِ
نعم قلتُ هذا في رثاء  صديقي الوحيد أبي حمزة الفقيه ... شيخنا عذرا على المقاطعة , لدي سؤال ! ...سلْ ما بدا لك , أنتم غير منهجين في بحثكم !...مولاي لك قول آخر تنفي فيه المعاد بصراحة دون أي تأويل ...تقصد قولي الشهير :
ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهة       وحق ٌّ لسكان البسيطة أنْ يبكوا
تحطمنا الأيّــــــــــامُ حتى كأنـّنا       زجاجٌ ولكن لا يعادُ لـــــهُ سبكُ
نعم هذا المقصود سيدي أجبني رحمك الله... ...حفيدنا الآتي من عمق الزمان : البيتان الأولان قلتهما ضمن قصيدتي الآنفة الذكر الرثائية , في لحظات خشوع وتأمل روحي صادق ,أمّا البيتان الأخيران ,قلتهما  من قبل , في لحظات سخط وتململ , اللحظتان متباينتان , والأخذ والرد وارد في الفكر حتى يستقيم . وهذا ليس بتناقض ,وذلك لاختلاف اللحظتين وظروفهما , ثم أنا القائل :
أثبتَ لي خالقاً حكيماً               ولستُ من معشر ٍ نفاةِ
والبيت دليل قاطع وصريح على إيماني بالله المطلق,و لا يحتمل التأويل , هل أدركت يا حفيدي القريب البعيد ؟!!   نعم مولاي ما أبدعك ! أكمل حديثك شيخنا الجليل ... سأكمل بإذن الله  ,الحقيقة منذ وفاة والدتي الحنون , ورجوعي من بغداد على إثرها  إلى مدينتي ( معرة النعمان)سنة (400هـ /1009م) , كنت منعزلا عن الناس أجمعين , غريبا مغتربا - غير صديقي الوحيد أبي حمزة - لا اتطلـّعُ الى رؤيتهم , ولا أتحمل جهلهم ولاغدرهم  , وقلت حينها :
هذا زمـانٌ ليـــــس من أهلهِ        إلاّ لأنْ تهجــــــرهُ أهلُ
حانَ رحيلُ النفس ِعنْ عالم ٍ        ماهو إلاّ الغدرُ والجهلُ
فهل زمانكم مثل زمانهم يا هؤلاء ؟!  ... يبدو لنا الرجل ,  لا يريد أن ينتمي إلى أي زمن إنساني , ولا تسعه الأرض بما وسعت , حيّرنا بعمق فكره , وسعة عقله , وعلى ذمته , أين سنرمي بالمفردات الجميلة (المزيفة !) التي آلفناها دهورا ...العفة والإباء والصدق والإخلاص والمحبة  والعلم والشعر ...يا لها من تجارة نافقة , فالمجتمعات تقدّر وتجلُّ من يأتي بالثعلب من ذيله , لا من يعرف للثعلب أو للكلب سبعين اسما أو ثمانين  , لذلك لملم الرجل العظيم نفسه واعتزل مجتمعه , وعاش منفردا غريبا مغتربا - كما ذكر! - وهو في خضم معتركه ,عرف آنّ أسلحته مغلولة , تغلبها أسلحة أخرى , لا يملكها ..مثل مكر الحيلة ,ونعومة المداهنة ,ولؤم النفاق (الدكتورة بنت الشاطىء - مع أبي العلاء ص 179) ,  بعد هذه النظرات, والصمت المتأمل , واللغز المحير , ردد على مسامعنا  ثلاثة أبيات من قصيدة قالها في دنياه :
أولو الفضل في أوطانهم غرباءُ      تشذ ُّ وتنأى عنهم القربـــــاء ُ
تواصلَ حبلُ النـّسل ما بين آدم ٍ      وبيني ولم يُوصل بلامي باءُ
وزهّدني في الخلق ِمعرفتي بهمْ       وعلمي بأنّ العالميــــن هباءُ                ٍ
ذكـّرنا المطلع  ببيت شعر لمعاصره ( الشريف الرضي - ت 406 هـ / 1016م) , لم نفاتحه به , دفعاً للإحراج , فقد سبقه الشريف:
فما ليَ طول الدهر ِأمشي كأنني        لفضليَ في هذا الزمان غريبُ
رأينا المعري غير المتنبي , عقله أكبر من فتـّه , وإنْ تفنـّن , وفكره أوسع من خياله , وإنْ تخيل , وما طلب من دنياه إلاّ الكفاف و العفاف , فعلى الدنيا العفاء , وللشعر والفكر الخلود والبقاء ,  سنكمل المشوار مع شوبنهور والحوار...تبقون على خير وهناء ، آناء الليل وأطراف النهار !



 
  كريم مرزة الأسدي - العراق (2011-07-28)
Partager

تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

الإغتراب النفسي...
- 2 - 
حوار مع أبي العلاء المعري-كريم مرزة الأسدي  - العراق

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia