رصد فني لأقصى مظاهر الفوضى الإنسانية بأسلوب ساخر قراءة في مجموعة " فقاقيع" (1) للقاص جمال الدين الخضيري-حميد ركاطة - المغرب
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
مقالات

رصد فني لأقصى مظاهر الفوضى الإنسانية بأسلوب ساخر
قراءة في مجموعة " فقاقيع" (1) للقاص جمال الدين الخضيري

لعل قارئ مجموعة فقاقيع " للقاص المغربي جمال الدين الخضيري سيلمس لا محالة تنويعا وتضمينا وانفتاحا على أشكال سردية متعددة وتوظيفا  لم يقتصر على النهل من اللغة المعتقة وقاموس رصين ، فقصصه تنضح بالعديد من التيمات وترتحق من قضايا واقعية وذاتية وتتناص مع أشكال سردية وفنية عديدة  .
فكتابة ق ق ج لا تتأتى للجميع بقدر ما تتطلب جهدا وتركيزا وعمقا بل ونضجا وخبرة واضطلاع وإتقان كما أن الارتكاز على حيز ما قد لا يمنحك القدرة على كتابتها لم لم يكن الرصد نابعا من صدق المشاعر وحنكة التشكيل والتوظيف والاختزال حد النحافة  ، ما جعلها قصص تتمرد إلى أقصى الحدود ولا تكتفي بتوظيف الميتاقص أو التناص أو النكتة والحكاية  والمسرح  والتقابلات الضدية والحكمة والشذرة بل تنزع نحو كتابة سير داتية في كثير من نصوصها كما تعتمد على توظيف الحلم ما يجعلها نصوص قابلة للإنفجار في أية لحظة .
فما هي أهم مرتكزاتها الفنية وبأية خلفية إبداعية كتبت ؟
قد لا يتيسر لنا الجواب على هذين السؤالين من خلال قراءة واحدة  للمجموعة لكونها تنماز بتنوع وثراء يفرض مقاربة خاصة ودراسة مركزة لعدة محاور نقترح منها :
1) هاجس كتابة القصة القصيرة جدا
لعل ظاهرة الاحتباس الإبداعي تبقى من بين القضايا الأساسية التي طرحتها نصوص المجموعة  بحدة فالاصرار في مواجهة البياض وتحديه  رغم ظروف العزلة والانعزال الإرادي عن المجتمع هو في الواقع الأمر بحت عن ظروف مثالية للكتابة يقول السارد في نص " الهدير" ص 6 " أعرف كائنا نذر نفسه للكتابة ، انزوى في برجه الناتئ وما إن أمسك بخط الكتابة وأخضع قلمه لنسيج الأحداث حتى كبا واستعصى عليه شق الحروف وبذرها"
إن هذا الإحساس سيدفع الكاتب إلى تغيير أسلوب البحت عن الإلهام من خلال النزول إلى أرض الواقع بعيدا عن الهدوء نحو الصخب بل والإصرار على ارتكاب حماقات طفولية والتلذذ بهواجسها وتعاسة أصحابها  يقول السارد " ( ..) نهض ذات صباح دق مسامير في قطعة خشبية مستطيلة ، ثم دقها في الطريق  ،اختفى وراء شجرة وبدأ يراقب ما اقترفته يداه مرت سيارة سرعان ما تمايلت وانحرفت عن الطريق ربضت جانبا تتالت السيارات وتكررت المشاهد .." ص 6
إن هذا السلوك العدواني هو ما يبرر جنون المبدع في مواجهة المواقف الحياتية العصيبة والتي ستبرز له تحديات أكبر من دهائه  ومكرا لن يستطيع معه مواصلة لعبته يقول السارد "  وقبل أن ينتشي بفتحه المبين  هدر من بعيد صوت قطار ..( تساءل) من أي غابة حديدية يا ترى سأستل هذه المرة أسافين يكون فيها بأس شديد  ، وعرقلة لقاطرات هذا التنين الزاحف " ص 6
إن النص في بنائه التصاعدي يجعل من بلوغ الحدث أقصى مدى من التوتر ليعرف بترا من طرف السارد الذي يتدخل لوقف الحلم ضمنيا والإبقاء على دهشة البطل قائمة الذات وهو نوع آخر من الموت بالاجهاز على تتمة حلمه وبالتالي انتظارات المتلقي  من خلال  هذا التوقف المقصود يقول السارد " ..وما بين إغفاءة عين وتفتحها  صدئت عجلات الكاتب التي لا تدور واستمر الهدير وتشابكت حول برجه طرق تعج بالضجيج " وهو ما يجعل النص ينفتح على أكتر من نهاية  ويكسر بنية الحلم باعتبارها مكانا لتحقق المكبوت الآمر الذي سيعيد حدت القصة ذاته إلى نقطة البداية وزمن الكتابة داخل البرج مع فارق بسيط في التحول من حالة الضجر إلى حالة نفسية دالة على عدم الاتزان  والخوف والتيه والقلق ، قلق كاتب مصاب بالاحتباس الإبداعي .
كما يبرز الكاتب موقف اختياره المبدئي لكتابة الق الق ج باعتبارها جنسا محبوبا ومقبولا من لدن الجميع  ما يعبر عن ذلك تلقفها من طرف النقاد والقراء على الذين رقنوها على هواتفهم النقالة في مقابل الرواية التي ينطلق موضوعها من نفس فكرة  الق الق ج مع إضافة وتنقيح يفقد جوهر القصة بريقه وجاذبيته وبالتالي قراؤه ، كما لم يسلم الناقد من سلطة الانتقاد داخل نصوص المجموعة  من خلال  نص يحمل نفس العنوان " الناقد " ص 59 .
تبدو صورة الإنسان على محك الواقع أكثر وضوحا من إحاطتها بهالة من الوهم القاتل ، فالصورة التي يحاول الظهور بها  وهو يتصنع جل لحظاتها بقدر ما  تعلن عن زيف في نظره تبرزه مخالفا في نظره الزمرة المحيطة به ، هكذا ينحو بنا نص الناقد إلى تعرية  زيف الشخصية الإنسانية وتفاهتها المطلقة إزاء إكراهات معيشية بسيطة واحتياجات ذاتية لا تتعدى نزوة عابرة  ، فالفقاعة التي يضع البطل نفسه داخل هشاشتها بقدر ما تعكس ضعفه  الكبير كلما ارتكن إلى وحدته ونفسه متأملا حالته بصدق ليس هي نفس الصورة الواهمة التي يحافظ عليها بكل ما أوتي من قوة في نظر الاتباع الأشد قهرا منه مع اختلاف في الدرجات لكونه لا يقنع بالتبجح والمناورة ، صورة الناقد بهذا المعنى هي صورة رجل يعاني من انشطار نفسي خطير وحالة مرضية تبرز أن فاقد الشيء لا يعطيه  وبما أنه لا يستطيع تخليص نفسه من ممارساته الشخصية التي تحوله كائنا ضعيفا تمارس عليه سطوة جبارة هي ما جعل السارد يخرج بقناعته الصادقة يقول " يعلو صوت في ركن ما من لا يجلب حقا لأنفه فكيف سيجلبه لغيره ؟ " ص 59
هكذا تبرز أسئلة القصة القصيرة جدا وهي أسئلة الراهن والحاضر ، أسئلة تنبش في عمق الأشياء في المرئيات واللامرئيات تحاول البحث عن أسئلة مغيبة من صلب سؤال يتيم .
في نص الرؤوس المغمدة " ص 85 تظل الحيرة والتأمل عنوانا لبحت عن جواب مقنع شاف يمكن من فك لغز الأشياء ، لكنه بدوره يظل عالقا وغامضا غموض أصحابه في قرية رؤوس أصحابها مغمدة  لكنهم عوض البحت عن الدافع يتحلقون لاحتساء الشاي في صمت يقول السارد " يربطون بين الضمادات وبين زبد الشاي المنعنع "  ولعل تساؤل السارد " هل يمكن أن يختصر العقل في قعر قدح ؟ " هو دلالة على صلب الحسرة والتيه في مواجهة الملمات والفواجع والخيبات ، فالمهزوم يبحث عن الجواب  خارج نطاق التأمل العميق باللجوء إلى ملء  البطن الذي من خلاله يتم قهر التأمل  كي يدفع إلى إرجاء الأسئلة الحقيقية التي تظل عالقة ومؤجلة لاجتماعات مستقبلية . فالنص بقدر ما يفتح أفقا آخر للتأمل يعمل على تكريس الوضع القائم والتأمل في فراغ مهول ومخيف من خلال نظر الشخوص إلى الأسفل عوض الأعلى بحتا عن أجوبة في قعر كؤوس يفرغونها في صمت وحسرة لا تعمل سوى على تأجيج الحيرة واتقادها في الأعماق .
من هنا نستخلص نظرة الكاتب إزاء الكتابة نفسها وإلى الق الق ج ، منظور يعلن ضيق أفق هذا الجنس وعدم قدرته على محاكاة العالم لصغر حجمه من خلال البحث عن أفاق أرحب كالملاحم .
إنها كتابة كذلك تبرز جنون الكاتب و نظرته للكتابة  وانحسارها كالضيق الذي يشعر به إزاء قصص قد تبدوا غير مقنعة وغير قادرة على التعبير عما يخالجه لكونها تكبح استرساله وإسهابه وتعلن في ذات الآن عن خيبته في معاقرة كتابتها لكون القلم لا يسعفه ، وهذا الانتقاد راجع لانفلات القصة وزئبقيتها ومحدودية شخوصها وتمنعها الرهيب ، ما يجعل نص فقاقيع يرصد خاصية من خاصيات القصة القصيرة جدا .
هكذا تبدو الرؤية إلى عالم الكتابة هاجسا من هواجس الكاتب وتمثلاته فهي بقدر ما تختلف من حيث المنظور من كاتب لآخر تبرز طبيعة النظرة المتحكمة فيها أو زوايا التقاطها وهو أمر نلمسه في نص " الأزهر المندغمة " ص 89 من خلال إحالة العنوان و تناصه مع مؤلف بودلير " الأزهار الشريرة /أو الذكورة "  ما يقودنا إلى الحديث عن ظاهرة تشذيب النص  وتشييده فمن الكتاب من يعمل على إصباغ خصوصية على عمله وهي تنطلق من رؤية للعالم يجعلها مرآة حقيقية تعكس أفكاره وتصوراته للنص ، الذي قد تتأرجح أفكاره بين الشاذة والغريبة والجامحة والمتنافرة والطريفة والجديدة ..لكنها تنحو  نحو خلق نوع من التعايش في نظر الكاتب .فمنظور القاص جمال الذين الخضيري إلى عالم الكتابة مثلا يبرز أشياء أبعد من التناص ، غنه يرصد عمق المنظور إلى الإبداع وفلسفته فالنص يبتكر بعيدا عن التقليد  يقول السارد " من أجمل الباقات هي التي تندغم فيها هذه الأزهار الشريرة " ص 89  دلالة على النظرة إلى جمال القبح والنشاز واللامرئي  الذي يصير ضروريا أحيانا لتأتيت الفضاء . وبما أنه ليس هناك حياة سعيدة بدون حزن أو جمال لا يعتريه نقص  ، يظل  الكمال غائبا  ومنشودا باستمرار ، فالنص المحلوم به يظل غائبا بين تنايا نصوص أخرى نظل في مخيلة المبدع ، فالاندغام قد يحقق الشرط الغائب ولو نسبيا في بعض  الأعمال .
نص " الأزهار المندغمة " بهذا المعنى بقدر ما يقدم صورة منطقية  لواقع الكتابة يطرح  بآفاقه الرحبة موقفا خاصا يحاول من خلاله الكاتب تقديمه ملموسا دون اللجوء إلى عملية تشذيب أو انتقاء أو تضمين .
في حين نلمس اللجوء إلى نوع من اللعب باللغة إنطلاقا من العنوان الذي اتخذه عاملا للتمويه لضمان  الاستمرار في التغرير بالقارئ  وينشد الكاتب من وراء ذلك تحقيق متعة القراءة والاكتشاف التي لا تتم إلا في النهاية مثلا في نص " المذيعة " ص 90 يعمل السارد على خلق  اللبس والغموض المقصود بحتا عن عصف بانتظارات المتلقي  من خلال التركيز على صياغة لغوية لها نفس المقاصد بالنسبة لشخصي النص ، لكنها تختلف من حيث تمثل المضمون ، فبين الإحالة على المذيعة وشاشة التلفاز المسطحة نلمس من خلال الحوار الرغبة في تمزيق حجب المفردة المحتملة  لتأويلات متعددة بين المتخيل والمرئي بحيث لا يبدو اللبس والمفارقة إلا لطرف ثالث خارج اللعبة " المتلقي " الذي بدوره قد ينساق متعاطفا مع طرف ما ليقع في شرك النص دون هوادة يقول السارد "
ـ إنها رائعة حقا
ـ لا أعتقد ذلك
انظري كم هو جذاب شكلها
ـ صوتها يصدح واضحا ، أليس كذلك ؟ " ص 90
إن القصدية في تأجيج الصراع بين البطل وزوجته مرده الاختلاف حول الحقل الدلالي للنص والبناء الرصين الذي يجرف في اتجاهات غير متوقعة يقول السارد" لكنني يا عزيزتي كنت طوال الوقت أتحدث عن الشاشة وليس عن المذيعة "
إن التنويع على مستوى تقنية الكتابة يبرز تناولا اقرب إلى التصوير  السينمائي  في نص " البرتقالة القاتلة " من خلال الرصد المتعدد للمشاهد واللعب على الزوايا المختلفة لرصد المشاهد فمن المشهد البانورامي إلى المشهد العام إلى التبئيير الذي يحاصر شخصي النص أمر نلمسه من خلال اللعب على اللقطة  ذات الإطار الصغير  وهي تجعل المتلقي في صلب الحدث  من خلال اعتماد  إطارات كبيرة ترصد الملامح والحركات والنوايا بدقة تم الإعلان عن مأساة أفظع من الحالة العامة التي رصدها المشهد البانورامي  في البداية .
هذا التقطيع يبرز انتقالا من الموت بالتقسيط إلى الموت المطلق الذي نتج عن صراع نفسي بالدرجة الأولى بين الرجل الذي أنهكه الهزال والهيكل العظمي حول برتقالة يقول السارد " ( ..) ظهر رجل في الزقاق أنهكه الهزال يتمسح بأعتاب برتقالة تم سرعان ما دسها في عبه (..) تبعه هيكل عظمي على مشارف الموت (..) يود لو يظفر ببعض القشور (..) إزدرد صاحب البرتقالة القشور أولا وأتبعها بلبها ..سقط الرجل الهيكل ريشة هامدة من ( ..) استفحال الطوى وتساقط الرجل الآخر من فرط التخمة " ص 5
2) الحب في فقاقيع
بقدر ما يولد الحب بشكل عفوي في لحظة ما بسبب الانجذاب أو نظرة ، يولد موقف أو حادث مفاجئ لكنه يبقى في عمقه حب يحمل كل المعاني والدلالات الإنسانية الراقية ، في حين هناك الحب المشروط أو الحب من طرف واحد بسبب الحواجز الاجتماعية والنفسية والأخلاقية بذرة تظل ماثلة متوقدة تنعش صاحبها بالدفء  والارتياح والسعادة ليبقى الحب بهذا المعنى يحمل معاني النبل ومفهوم الحياة والمصير المشترك لفردين فهل تكون حادثة مؤلمة مثلا بداية لقصة حب كبير ؟ هل ستحتفظ الذاكرة بخدوش أو  فقط بتجربة إنسانية عفوية  بدت بريئة في مقاصدها وإشفاق تحول إلى رغبة محمومة ، بمعنى هل ينبت الحب  من عدم داخل  الحنايا لا يقض مضجعه سوى صورة واحدة وحركة واحدة وموقف واحد ؟
نص " الكرة الملعونة"  ص 7 ، بقدر ما يحيل على لعنة الحظ وتدمر طفل كان ضحية غضب جارتهم التي قطعت الكرة نصفين يبرز بين ثناياه  مسارا مغايرا وموازيا لجذوة الحب التي أنارت حلكة لحظة حزينة إلى محاولة محمومة للظفر بقلب ابنة الجارة التي تعاطفت معه بصدق ، هكذا يضعنا المبدع جمال الدين الخضيري  في صلب متاهة من متاهات  الق الق ج في سعيها نحو تشييد عالم حالم وجميل من  خلال كتابة بقدر ما اعتمدت تواوي قصتين جعلت منبت الحكاية المتعددة الروافد تجتمع في صلب قصة واحدة  وهي تحوي المناقضات ( حب / كراهية / رغبة / حذر ..) وكأنها لعنة تطارد قلب البطل  ستعمق جراح طفولته الحزينة يقول السارد " منذ ذلك الحين وهو يحاول أن يرتق النصفين ، فكان يلوح له السكين متدليا من النافذة نفسها التي ما يزال زجاجها مهشما "
في حين تم تشييد نص " الفراق " الذي يحيل على قصة حب غريبة بين عاشقين وارتباط  طرف  بالآخر من خلال أحداث شابها مد وجزر حب وكراهية سيتسبب في النهاية أن الحديث  لم يكن من أجل امرأة بقدر ما كان من أجل سيجارة ، يقول السارد " أما هذه المرة فلا ، فإن إرادتي من حديد ، فها أناذا أرميها إلى الأبد غير آسف ، ولن أندم إذا قلت : إلى الجحيم سيجارتي " ص 8
في حين يبرز معنى الحربائية في العلاقات العاطفية من خلال نص " القناع "  الذي شيد على شاكلة حوار مسرحي الغرض منه إبراز لعب وتمثيل وسخرية بين بطل النص وعشيقته ، تمثيل بقدر ما يعلن عن موت الحب  في زمن الخداع يؤشر على موت القيم الفاضلة . فرغبة البطل في شراء قناع كي يبدو محايدا هو إماطى بالدرجة الأولى لقناع آخر شفاف وعلامة على خبث مقصود وإحالة على الاستخفاف باعتبار الحبيبة مجرد محطة ضمن محطاته العشقية المتعددة يقول السارد "
ـ هو : أود أن أشتري قناعا يا حبيبتي
ـ هي : لم ، أتنوي أن تمثل في مسرح ؟
ـ هو : لا ، لكن حتى يبدو وجهي محايدا
ـ هي : أتضع قناعا على قناع ؟
صفقت في وجهه الباب وهي تقول في الوقت الذي كنت أنتظر أن تتجرد من أصباغك تتمترس في قلاعك " ص 13
إن رد فعل العشيقة  هو تعبير عن رفض  بات للدخول في مغامرة يشوبها الخداع  والخبث ودلالة على الإحساس بالإهانة والاستخفاف بشخصها وعاطفتها الصادقة ومحاولة لتجريدها من  إنسانيتها ما يبرز نوعا من الهيمنة الذكورية  التي ووجهت بالصد والرفض والفشل في الاختراق .
3) الجنس
الجنس في الق الق ج يحيل دوما على تكسير هيبته من خلال الاستخفاف به  أحيانا أو السخرية منه ، أمر يحول طابوها مقيتا ومستعصيا على الحديث إلى نطاق قابل للاختراق بسهولة من خلال تضمينه على شكل إيحاءات مثيرة للضحك  عوض مواقف ، تبرز الرغبة الدفينة للفرد وحاجة الذات إلى الجنس كاستجابة طبيعية ، لكنه يكبت بقوة دون القدرة على التخلص  من جاذبيته وهيمنته وضرورته كحاجة إنسانية طبيعية  . وقد تبدى لنا ذلك من خلال مجموعة من النصوص . مثلا في نص " فليعش المجنون " ص 14 يبدو الجنس كحقيقة مثيرة للجدل " الجنس والمدينة / الجنون / والالتزام بالضوابط الأخلاقية / وبالتالي كنطاق للممنوعات والمحرمات التي تنتهك لكن عن قناعة .
فهذه القضايا بقدر ما أبرزت كبت أنفاس ساكنة المدينة ورغبتهم في ممارسة المحظور والتحرر من كل القيود ،تفرض في ذات الآن الرغبة المكبوتة والمقموعة بالقوة ، فالميثاق الأخلاقي للفرد داخل المجتمع تحكمه العديد من الضوابط والقوانين والأعراف التي لا تسمح له بتجاوز خطوط حمراء بدا من خلال النص أن انتهاكها من طرف المجنون ورفيقته تعبير صادق عن الاستجابة لنداء الجسد وتلبية رغباته دون الاحساس بتأنيب الضمير ، وهو موقف رغم معارضته من طرف البعض "حسب السارد الذي يقول " هب المارة إليهما ، وسيجوهما بأجسادهم اتقاء من عيون الدهماء "  سيجعل من إطلالة المرأة من الشرفة (في الأعلى) اختراقا لنفس السياج البشري وتوغلا في عمق المشهد تلبية لرغبة ذات أخرى وقد علق السارد على الموقف قائلا " أطلت المرأة من شرفتها ، انفلتت منها ضحكة كالصهيل ، هتفت بأعلى صوتها :
فليعش المجنون
رد المارد :
ـ يعيش ، يعيش ..."
فبين الموقف الرسمي والموقف الشعبي يبقى المنظور إلى الجنس متغيرا حسب موقع المسؤولية وبالتالي يبرز واقعا حقيقيا ومنظورا عاما يسير باتجاه الرغبة في التحرر من كل القيود المكبلة للمشاعر والكابسة على الأنفاس فتجاوب المارة مع امرأة الشرفة والتفاف أصواتهم حول نفس الموقف يجعل من قرار مجلس المدينة ضربا للخصوصية وللحرية الفردية واعتداء على نفس الجسد المتحرر من قيود كل شريعة أو نظام يقول السارد " مجلس المدينة أصدر القرار الآتي : يتم إخصاء كل مجانين المدينة "
فسلطة الجنس لا تضاهيها سلطة أو بصورة أخرى سلطة الجسد هي أقوى السلط على الإطلاق ، إفرازاته الغريبة لا تقاوم فهي كالسحر تفتح جميع المنافذ الموصدة وتبدد الصعاب لكنها لا تشيد سوى طريقا واحدا نحو نقطة تماس في العتمات .
في حين نجد نص  "حب عل شاكلة البعير " ص 15  يحمل بين طياته قراءات تجعل منه نصا مفتوحا على دلالات لا بد من الوقوف عند بعضها :
ـ رغبة الكلب في الممارسة الجنسية  مع كلبة الخليلة ،التي تم رفضها من طرف هذه الأخيرة بحيث   تعتبر  أن ممارستها للعلاقة الجنسية  بحضور كلبتها غير مقنع، أمر دفعها  للتقنع بقناع العقل وهي التي قادتها رغبتها المحمومة نحو بيت الخليل دون هوادة .يقول السارد " زارني خليلتي كعادتها في غرفتي نهاية هذا الأسبوع " ما يجعل الاستجابة لرغبة الذات في وضعها" المقيت في نظر الآخرين " عاديا بالنسبة إليها باعتبارها مطلبا مشروعا لا جدال فيه ، كما أن معارضتها لرغبة الخليل بجلب كلبتها لكلبه من أجل ممارسة جنسية جماعية  يعجل بالإقرار برفض رغبة الآخرين وهو ضرب ضمني لحقوقهم ما يضعها حسب موقفها في مرتبة دونية  .
ـ الاحالة الثانية تتمثل في الاقتناع بكون الممارسة الجنسية الحيوانية المستجاب لها دون نقاش " حب الناقة للبعير " تعبير لما هو مترسب في الثقافة العربية ( الشعر خصوصا ) ما يفرغ إدعاء الخليلة  المقنعة من منطقه وبالتالي يجعل الاعتراض  عن ممارسة العلاقة الجنسية  الحيوانية أنر يدخل ضمن تحقيق قصب السبق  لذاتها على غيرها من الذوات .
ـ أما الإحالة الثالثة  فيمكن الأخذ بها من خلال إشارات النص في كون النظرة الدونية إلى الجنس الممارس من طرف الآخرين له وقع أكبر من نظرتها الشخصية ( الموقف من المحظور ) بكون حق الآخرين يتم تبخيسه ورغبتها تضفي عليها كل مشروعية وتحصنها بمبررات واهية .
فقضية الجنس طرحت بشكل جاد وقوي من خلال نصوص المجموعة  بحيث نجد في نص " قفلان ومفتاح" ص 38  أن العتبة تعلن عن إضمار صريح لسؤال محير لن تتم الإجابة عنه إلا في نهاية النص حيث تتضح الصور أكثر من خلال الإشارة إلى وفاء المطايا التي قصد بها السارد " كل من الباغية والسيارة" من خلال استعمال جملتين : نادته سيارته المغبرة / وحدقت فيه بائعة الهوى وهو يفتح السيارة " هذا التوازي على مستوى الحدث يجعل من التركيب اللغوي الدال منساقا مع حالة التيه التي كان يعيشها السارد وهو يحاول فتح سيارة أخرى كانت نظيفة وهو يطوف بها ، كما يحضر التقاطع الدال على " الوسخ والعفن  من خلال كلمتي " مغبرة / بائعة الهوى " وإحالتها على قذارة  ( السيارة فعل ظاهر والغانية فعل ضمني  وهي تعرية ستحدد من خلال عنصر جامع وشامل على سخرية ومقت في نفس الوقت لا محيد عنه ولا يمكن تجاوزه لما فيها من مصلحة أثناء الاستعمال ،وهو ما جعل الجملة الأخيرة " ما أوفي المطايا يا بغايا " تحمل  دلالتها الجنسية على مقطع سابق وعلى العتبة ذاتها " يا صاح لكل قفل مفتاح "
4) الجنون
كيف ننظر إلى الجنون ؟ أو كيف نتمثله من خلال نصوص الق الق ج  ؟
ربما حاجتنا إلى فهمه واستكناه منطقه قد  يكون عسيرا لأنه دائما  مرتبطا بالمفارقة الساخرة وبالفعل الخارج عن الإرادة والمنطق وغير المقبول لأنه يدخل ضمن دائرة النشاز لكن هذا الإسقاط فيه كثير من الإسفاف  والتسرع  فالخروج عن المعتاد والمألوف في نظر صاحبه هو تكسير للنمطية وللقوانين  والأعراف  واختراق المثقف عليه  إما للضرورة او للتواجد داخل دائرة المحظورات التي يتم النظر إليها ضمن زوايا مقنعة بقناع أو بتكسيرها عنوة وخلسة عن الأعين  .
هكذا يضحى الجنون من خلال الموقف الرسمي حالة شاذة ومرضية ، لكن مقترفة  لا تكون له نفس التطلعات أو مقيدا  بقيود الآخرين وهو أمر جسده نص " سقوط" ص 18 بحيث بقدر ما يدل على سلوك البطل على خبل سيبرز سخرية تحيل على مآل محتوم من طرف الآخر وبشكل إرادي ، لكن لماذا يصل الأمر بالفرد إلى هذا الاختيار الصعب واعتباره الوحيد ؟
يجيب سارد النص عن  السؤال معللا  جوابه قائلا :
" أحب أن يكون السقوط على يدي ، فكل من علا وسما ، إن لم يتهاو كالثمرة الناضجة ، رشقوه وأسقطوه " ص 18  فالألم الموجه للذات هو الآخر ضرب من الجنون ومبادرة الفرد بإيذاء نفسه قمة الجنون ، أو ربما نوعا من الأنانية المرضية وإغراق في الذاتية المفرطة والتوجس والوسواس  في مواجهة المواقف الحياتية الصعبة وفي لحظاتها الحرجة بامتياز .
إلى جانب هذه الحالة نلمس في نص"  إعدام عصفور "ص 27 أن مفهوم الرفق بالحيوان  لا ينظر إليه دوما من نفس الزاوية ، فإذا كانت بطلة النص المتعاطفة مع العصفور قد دثرته بفروها لتقيه من البرد  ، فإن صديقها سيتصرف بفضاضة  ستصل حد القتل كي يستأثر بمكان العصفور ما عبر عن عدوانية وأنانية  وجنون وانتهازية ضدا عن رغبة العشيقة باعتبارها هي الأخرى مجرد شيء  يقيه القر يقول السارد " امتدت يد الرجل ، أخذ العصفور .. وبحركة خفيفة فصل رأسه عن جسده  ..امتدت اليد نفسها ماسحة  دموع المرأة قال لها وهو يضمها إليه : حذار ، قد تبلل الدموع الفرو فنبيت في برد شديد "
إن ما يجعل هذه النصوص تكتسي جاذبيتها الخاصة هو امتلاك القاص جمال الدين الخضيري قدرة رهيبة على  تطويع اللغة من جهة  وعلى بناء نصوص قصصية مدثرة بعمق بحيث لا يخلو نص من توظيف مغاير أو بناء مثير يعمل من خلاله على سبر أغوار الحدث القصصي الذي رغم ضآلة مساحته يظل مكتنزا بالدلالات ومفتوحا على قراءات متعددة .ناهيك عن الرصد الدقيق لمعالم الحياة البدوية والارتباط بها إلى حد تحولها صورا معبرا عن تطلعات الشخوص التي  بقدر ما تضحى رسائل  لها بلاغتها ودلالتها تحيل على قهر اجتماعي  ، وعلى نبذ للواقع المعاش بل رفضه بشكل كبير .
في نص " اختراع " ص 30 سنلمس حضور الريف الذي  لم يكن اعتباطيا ولا من قبيل التوشيح المجاني للنصوص ولكن لرصد المفارقات الحياتية باميتاز في مغبر الألفية الثالثة . بحيث ينفتح السرد  على حدثين بارزين داخل مكانين " البيدر والزاوية " ولعل دلالتهما بقدر ما تحيل على فضائين للاستقطاب ، الأول لدرس المحصول ضمن طقوس  احتفالية خاصة لها جذورها الثقافية الموغلة في العراقة والتقاليد البدوية ، والفضاء الثاني للتبرك والعبادة والتعلم والحماية ، كما يؤثثهما شخصان ( الأب والابن ) . فإذا كانت نصيحة  الأب هي الدافع إلى ترحال الابن بحثا عن اختراع يجعله بعيدا عن الأرض" يا بني اخترع ما يحملك وينفذ بك أقطار السماوات  لا ما يشدك إلى الأرض  ويقضم ظهرك وظهر بعيرك "  فإن الفضاء الثاني سيعمل على تبئير شخص " الابن " الذي أصبح محمولا على أكتاف مريديه لكن دون القدرة على ا تجاوز سقف الزاوية المتواجد بها ، وهو مايبرز عدم تحقق المبتغى رغم ما يوهم به نفسه من مكانة يقول السارد " أصبح مطوقا بالبخور وبأوراد الدراويش المتحلقين حوله ومع  المدة توصل إلى اختراع مكنه أن يصبح محمولا عل أكتاف مريديه وعلى أرداف العوانس ..لكن في جميع الحالات ..لم يبلغ حتى قمة الزاوية الواطئة "
إن هذه المفارقة الساخرة ستعيد البطل إلى نقطة البداية وإلى كلام " والده "  بالبيدر وعلى تفاهة ما حصل عليه رغم ترحاله الطويل وعمره الذي قضاه في الطواف على محيط دائرة مغلقة يقول " فكانت تمر بخاطره صورة البيدر  فيخيل إليه أنه أصبح قاعا صفصفا تذروه الريح وتغزوه أشواك الطلح "
هذا الطرح سيتكرر في نص " الكيمائي " كحقيقة  تبرز عدم التحكم في المعرفة الشخصية التي يمكن ترجمتها واقعيا إلى تجربة يمكن الاستفادة مها أو إقرارها كحقيقة مطلقة وثابتة لكون الاعتقاد ممزوج بشك يكون مجرد تخمين ليس إلا  وغير محكوم  بتجربة عملية  ، كما أن الوهم بالإمساك بباطن الأسرار هي ضرب من الوهم لا يرتكز على تجربة  بقدر ما هي إحساس   تكون فيه نسبة اليقين ضعيفة جدا أمر يعرضه سارد  نص  " الكيميائي " الذي يقول " عاد إلى بلده في خريف عمر معتقدا أنه أمسك بباطن أسراها أزمع أن يجرب ما تعلمه في نظرية مختزلة تعبر عن كينونة الإنسان " ص 55 فإذا كان الإقرار في الجزء الاول من النص يتضمن شكا ( اعتقد / أزمع ) فإنه لا يبرز إطلاقا وضعا تابثا يعتمد على عامل الحسم والضبط ، كما أن الموقف يبقى نظرية مختزلة تهدف إلى التعبير عن الكينونة الإنسانية أمر لن يتأتى عبر تجارب متأكد من مصداقيتها ما جعلها ضربا من  الجنون في غياب وسائل مخبرية  كما أن الارتكاز على الجربة انطلاقا من أعضاء حيوانية ( معدة خروف) تبرز أن اختراع البطل لم يكن نتيجة عمل متواصل بل اعتقاد مكنه من  "اختراع" روث بشر، فإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة فالحاجة في النص أم الاختراع والشعوب التي  ترتكن إلى الاستهلاك  تكون حياتها محكومة بنتائج حتمية لا تخرج عن سياق ما توصل إليه بطل النص .
5) السخرية
أ ـ السخرية من السلطة
جبروت السلطة دوما يواجه بالسخرية ضمن قصص تحمل مفارقات دالة ، سخرية بقدر ما تتعدد تحاول الإحالة بشكل ضمني على مكامن الخلل وعلى فظاعة المنتمين إلى جهازها من خلال ترجمتهم لمفهومي الحق والقانون اللذان وإن كان الهدف منهما تحقيق عدالة اجتماعية بين الأفراد فإن الشطط في استعمال السلطة يضحى السمة  البارزة وقد اتخذت السلطة مفاهيم متعددة حسب وضع  المتسلط  والمواقف التي تواجهه ما يخلق مضاعفات تتعرض لإدانة باستمرار .
فالإنسان من خلال مواجهته لمواقف حياتية تحكمها الزبونية والمحسوبية وأحيانا الفراغ  والفوضى يجد نفسه أحيانا مرغما على التصرف وفقا لما تمليه شروط اللحظة ، فبين القبول بإعطاء الإتاوة مثلا " للمخزني " من طرف البطل في نص " بائع متجول " ص 10 رغم أن ما يملكه مجرد قطعة نقدية بائسة حصل عليها سيجعله في موقف حرج مغلف بالرفض  الداخلي من موقفين " إعطاء الإتاوة / الاحتفاظ بالقطعة النقدية الوحيدة لنفسه وهو ما سيبرز تناقضات الواقع نفسه  مع وضع الرجل نفسه  كبائع للمتلاشيات .
في مواجهة قهر السلطة وسطوة الفقر سيضطر البائع إلى البحث عن اختيار يعيد له بعضا من الكرامة إزاء إحساسه بالنبذ والضغط وبالتالي البحث عن مخرج يقيه على الأقل شر السلطة بالتفكير في منح القطعة المرفوضة من قبله يقول السارد  واصفا القطعة " والأدهى أن القطعة النقدية التي قبضها مدكوكة متآكلة لن يتقبلها أحد ، ولن يندم عليها ملقيها في التراب "  ما يدل على إهانة سوف يقوم بتصريف عنفها الممزوج بالإذلال إلى قاهره الذي كان حسب السارد " كل يوم يضايقه إن لم يدفع له الإتاوة المعلومة " وهو قرار سيعيد له بعضا من الاعتبار والتصرف من موقع قوة وسخرية يقول السارد " سرعان ما غزته فكرة طارئة فقال في قرارة نفسه وهو يبتسم لن يكون مثواها إلا جيب المخازني وزبانيته"
إن هذا القرار بقدر ما منح السارد راحة نفسية أعلن عن سخرية واختيار للمغتصب والمرتشي وزبانيته باعتبار جيوبهم مستقر لكل  "مساوئ الدنيا وسيئات البشر" فهي صورة تعري عن موت القيم الفاضلة في مواجهة القمع واستغلال النفوذ  ، كما تبرز واقع صراع يومي مرير في شوارعنا بين بطالة مقنعة وسلطة تمارس نهبا أكبر وصراعا شرسا دلالة على الابتزاز  والشراهة للاغتناء السريع  ضاربة عرض الحائط نبل المهمة التي هي منوطة بها " حفظ الأمن وسلامة المواطنين ، هذه السلطة سوف تأخذ أوجها متعددة من سلطة سياسية إلى سلطة اجتماعية ودينية لكنها لن تخلو من انتقاد لصور الفساد الاجتماعي والأخلاقي فرجل السلطة " المخازني" لم يكن أشد ابتزازا من رجل الدين والسخرية تميط الأقنعة عن الوجوه وتبرز الشرخ الكبير الذي تعرضت له المنظومة الأخلاقية والطعنة التي تلقتها في الصدر من خلال التقاط لحظة هاربة حسدت بقوة زيف ادعاءات المقنعين ومواقفهم إزاء الجنس الآخر ( الإناث) والذي كان أكبر من أن تلجمه "شرائع العالم وقوانينه " أوقناعة بعض أدعيائه فنص" الغانية والملتحي"  بهذا المعنى هو صراع للشر المقنع بالورع والتقوى ، لندرك أنه نزوح الجسد نحو الإصرار على تلبية رغباته المكبوتة يظل المسيطر في مقابل التعاليم الزجرية الناهية والمحذرة ، فالجسد هو بؤرة التقاء ومحطة أولى وأخيرة للإفرازات ولتفجير المكبوت يقول السارد " قال الشيخ بعدما طلبت منه الغانية النصح " أحتاج اللحظة إلى من يعضني ، عفوا إلى من يعظني منك ، عضت شفتيها ، وانصرفت متمايلة ثانية أعطافها " ص 11
في حين يرصد نص " النزوح الكبر " صورة مصغرة لديكتاتوريات  العالم  الذين لم يقتنعوا بعد أن شعوبهم بقدر ما ملت سيطرتهم وهيمنتهم من خلال استغلال فرص نزوح جماعي نحو مكان آخر بعيدا عن جبروتهم ن تعبير عن القسوة التي تدفع بالآخرين نحو الهجرة بحثا عن موت إرادي وبكرامة هروبا من موت مهين ، وبالرغم مما أحدته النزوح الأكبر   من ضرب لقناعات الزعيم لا يزال هذا الأخير مستمرا في إقناع نفسه باستمراره فوق كرسي يحكم البلاد .، كما كان يفعل بقبضة من حديد ، ما سمح بسخرية عميقة متعددة، حول هذا الوضع من خلال نداء الزعيم فيما تبقى بمملكته يقول السارد " امتطى صومعة ونادى فيما تبقى من شجر وحجر بمناسبة النزوح الأكبر ، أعلن حضر اهتزاز الجذوع ، ونمو الزورع ، وتدحرج الأحجار في كل الربوع ، وهل آفتنا إلا هذا التدحرج المروع" ص 16
إن تشييد النص الضامر ضمن مساحة صغيرة  جدا يجعل أفاق التأويل مفتوحة لكن مليئة  بالألغام وجمالا لمعاني ودلالات كثيرة ، فالطابع المسيطر هو السخرية والوخز الدال على وهم التسلط والاستبداد والطمع في الاستمرار في الزعامة  ببريقها الخادع ما يجعل من الحقيقة واجهة من المرارة يتم التصدي لها بجنون من اجل استئصالها تحقيقا لرغبة الاستمرار رفوق كرسي ليس إلا ، يقول سارد نص " أفعى " ص 32 " سيج حظيرة ، اكترى بدوا ، نصب كرسيا واستوى عليه ، لم ينقصه سوى علو يرفرف  ونشيد يعزف ، وضعهما كيفما اتقف  ، وإذا بالحظيرة دولة تسعى ، وإذا هي تنقلب أفعى "
فالنص بقدر ما يبرز سيناريو تطلعات الزعيم المجنون يبرز سيطرة الأهواء على الأفراد ورغبتهم في تمزيق جسد الأمة من خلال بلقنتها بإمارات صغيرة ، وضع حساس  دال على فراغ كبير ومؤشر بامتياز على تفكك وأمية ، وخطوة نحو انقلابات مريرة كقوة مضادة لا تحمل من مؤشرات سوى الموت والفتك والدمار والكراهية .
كما نلمس توظيفا لغويا سلسا وتناصا مع القرآن الكريم من خلال قصة " العصا " لسيدنا موسى عليه السلام تناص يبرز تعدد الاستعمال وبالتالي الإحالات وفي المقابل دلالة على الخطورة باعتبارها  دويلة مبنية على أسس تصدير العنف والموت والحرب استجابة لرغبات وأهواء زعيم مجنون ومهسوس بالتسلط والإبادة .
ب ) التلاعب بالقانون والتحايل عليه
ييبرز نص " قضية " ص 39  إشكال القضاء في بعض الدول التي تضحى فيها القوانين صورية وسهلة الاختراق باعتبار كون منظومتها في مجملها لا تمتثل لروح   القانون لضمان سير عادل للحياة فالأمم تحقق ارتقاءها وتقدمها بتقدم قوانينها التي تستجيب لمتطلبات الواقع  من خلال الامتثال الذي يضمن الحفاظ على سيرورة المرفق العام  للحفاظ على مصالح الجميع وحقوقهم وبالتالي  أمنهم ، فالقضاء بهذا المعنى يكون في خدمة الصالح العام بضرب المصلحة الشخصية التي يتم اللجوء إليها من خلال ضرب روح القوانين  والتحايل عليها ، نص " قضية " لبطله وجهة نظر مخالفة وموقف سيجد من يتواطؤ معه من أجل ترجمة أضغاث أحلامه  باللجوء إلى التحايل على القانون ذاته من طرف حماته والمدعين أنهم يسهرون على ترجمته وتطبيقه يقول السارد " ( ..) قضيتي  غير منطقية ومستعصية يا أستاذ ( ..) مشكلتي أنني أريد أن أكسب قضية تتلخص في : 1+1=5
ـ في المتناول ..فقضاؤنا مكتوب بلغة غير رياضية "
إن التبرير ستحدد منطقاته في ممارسة الخرق المقصود من خلال التحايل والتلاعب بالقانون ذاته ، نما يفقد مفهوم دولة القانون من كل معانيها والمنظومة من فعاليتها  يضعفها ويكسر هيبتها ، فالقانون لغة معيارية يمكن تمطيطها وتمديدها حسب النوازل لكن أخطر ما فيه هو ثغراته وبالرجوع إلى علم الاجتماع القانوني ندرك ان القاعدة القانونية يجب أن تنطلق من صلب المجتمع  وقيمه وعاداته وتقاليده أي من بنيته الثقافية لكن عندما نترك  المجال للسلطة التقديرية للقاضي أحيانا تغيب العدالة المطلقة وتحل محلها عدالة نسبية  أمام جهل المتقاضي لألفاظ  القانون الفضفاضة .
د ) السخرية من الواقع
إلى جانب السخرية من السلطة نلمس السخرية من المواقف الحياتية الهاربة  في نص " ربوتان " يعرض السارد نفسية قصيري القامة وإحساسهم بالدونية بحيث يرون في طويلي القامة عقبة ينبغي تسلقها من أجل تحقيق تواصل حقيقي أو على الأقل نوعا من المساواة النفسية يقول السارد "  انتظرها عند قمة الربوة وما إن لاحت له واقتربت منه طالعة ..حتى أطلق العنان لدراجته نحوها واستطاع أن يتسلق تضاريس الفتاة ويصعد ها بدراجته بانت له مفاتنها ومفاتن المدينة ..ثم  ما فتئ أن انحدر من جديد مواصلا الانحدار ذاته من الربوة " ص  48
في حين تتجلى سخرية مماثلة في نص " العتال" ص 49 من خلال عامل الهجرة بالنسبة للبعض بكونها تغير مجرى حياتهم البسيطة التي عاشوها في مداشرهم ، وهنا يتدخل العامل المادي كمحدد في انتقال الفرد من نمط لآخر لكن الاحساس بالنقص يطل حاضرا لكون المال لا يغير كل شيئ فلا يمكن مسح كبوات الماضي  وآفاته لكونه كان مجرد عتال في القرية شعور سيبرزه تصرف صاحب المتجر الذي أحس بإهانة لشخصه وهو العارف بماضي البطل يقول السارد لما طلب منه العتال حمالا لمتعته " قرر أن يجيبه بإحدى العبارات :
ـ الحمال أرسلناه إلى المهجر
ـ الحمال موجود في المتجر
ـ الحمال غادر المدشر " ص 49
إن الملمح الساخر سيتكرر في نصوص أخرى " السلطة الرابعة  ( 57 ) / بائع الذباب  ( 60) / المعلم ( 63)  / الرجل الطائر ( 81) " ما يبرز أن نصوص المجموعة لجأت إلى ممارسة نوع من اللعب باللغة ودلالتها للإحالة على تعدد المعنى بل وتوليد معاني أخرى ضمنية جعلها الكاتب عمودا فقريا لنصوصه وكفكرة جوهرية تتحكم في مجريات الحدث . هذا الاشتغال ، هذه التقنية تحيلنا على نمط كتابة فرضت نفسها عربيا للقاص المغربي حسن برطال °  . فمثلا في نص "السلطة الرابعة  "نلمس فتح بوابة السخرية على مصراعيها من خلال انتقاد المنتمين للإعلام والمهووسين به وهو هوس يبرز أن مجرد السعي نحو هدف مخالف إرضاء لنزوات الذات العاشقة لجسد الأنثى الذي يكون له سحر يفوق سحر السلطة الرابعة يقول السارد " عشق سحر السلطة الرابعة وعندما أراد أن يقتحمها تزوج إحدى المشتغلات فيها فأضافها زوجة رابعة "
في حين نتقل السخرية إلى نوع من الإدانة الصريحة للمجتمع منددة باختلال الأوضاع ، وهي سخرية ممزوجة بتهكم كبير يصل حدا من التجريح أحيانا لكن رجته تضع الملح على جراح مثخنة  ، فنص بائع الذباب مثلا بقدر ما تحقق اللغة سطوتها وجبروتها وتمارس المفارقة سحرها في توريط القارئ وإقناعه ببلاغة ما يعرض أمامه من مشاهد وامضة ملتقطة من عمق الشارع العام وهو ما يمنح اللحظة جماليتها التي تخطف اللغة من خلالها الأضواء  من الحدث وهي ميزة قلما توفرت في المثير من نصوص الق الق ج ما جعل كتابة جمال الدين الخضيري إضافة للمشهد القصصي بالمغرب يقول السارد " انتبه فوجد نفسه يبيع الذباب نش وهش ورش لم يتذبذب الذباب قيل له :
بكم تبيع الذباب ؟
غضب ، جر العربة المحملة بالسمك ومضى كان يلفه الضباب ،كان يلفه الذباب "
إن هذه القرينة السردية  ببلاغتها ولعبها اللغوي الخاطف وتقنية كتابتها الحوارية تضمر الكثير من المعاني  وتفتح أفاقا رحبة للتأويل وبقدر ما تنتقد وضعا توكل الأمر للقارئ وقد تم وضعه على سكة تزيح كل مفارقة من حسابها لاقترانها بسخرية وشفقة .
في حين تقترن السخرية أحيانا بالتبخيس والدونية كما هو الأمر أثناء رصد صورة "المعلم" ، في الإبداع القصصي المغربي  وقد ارتبطت في غالب الأحيان باستعراض للعورات وكأن الذي " كاد أن يكون رسولا " قد تحول من مركز للثقة والمكانة الاجتماعية إلى مصدر للتنكيت الساخر ، وهو وضع مقصود عملت من خلاله سياسات حكومية متعاقبة على تكسير شوكته وإزاحته بالقوة من مكانته التي أضحت خطرا على النظام الحاكم .
هكذا قد لا نستغرب من نفاذ السخرية في الق الق ج إلى عمق الفن  وانتقاده بجرأة تجعل منها متفردة بمواقفها في أكثر الأنواع الأدبية قدرة على إبراز عنصر المفارقة في كلمات معدودة بسيرها السريع نحو الهدف  بدقة ، سخرية نلمسها في نص " مذهب " ص 84 وهي تناقش عبثية الفن أو قبحه أحيانا ، قبح لا نرى جماله الطبيعي ولا نسعى إلى استكشافه لأننا ببساطة نسير على نمط واحد ومقاييس محددة تجعل أحكامنا غير منصفة في كثير من الأحيان فالنص بقدر ما يبرز سخرية من الصدف التي تحول القبح جمالا تضمر في ذات الآن تعطش الأفراد إلى الغريب ونبذ النمطية في الفن والأدب لكنها تبرز أن للصعوبة مكامن أخرى وجوانب خفية يقول السارد " أخذ فرشاة وطمس وكنس معالم اللوحات أصبح رائدا لمذهب جديد يتحدى به في أنحاء عديدة من المعمور " ص 84 وهنا يجرنا الحديث عن العديد من المذاهب الفنية والأدبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية  وعن رواد  أزروا جمال القبيح والبسيط من الأشياء التي تحتوي شروطه الموضوعية في زمن بل في لحظة ما كانت حاسمة سواء نفسيا أو تاريخيا أبرزت الحاجة الدفينة لقلب المفاهيم بل لنحتها على صخر"يشير الأستاذ مصطفى قيمة  أن " مفهوم جمالية القبح " جرج من صلب النقد الفني الذي يوجد من بين المنتمين اليه .. " هواة نحت المفاهيم " الذين لا يكفون عن مجابهة واقع يدثر نفسه بالخفاء والغموض وعشق ممارسة لعبة الكر والفر مع الباحثين عن الحقيقة . وكما لا يخفى ذلك على أحد ، فالمفكرون الباحثون الكبار أبدعوا وعلى امتداد عصور  التاريخ مفاهيم خاصة بهم  . الفلسفة ذاتها ليست شيئا آخر غير نحت للمفاهيم على حد تعبير جيل دولوز "(2) لم يكن بمقدور أحد الدخول في مغامرة حتى تعد تجريبية ، هذا يدفعنا إلى الحديث ربما عن الحاجة الرهيبة إلى التغيير فمسرحيات غوركي مثلا أو لوحات بيكاسو وفان جوغ  تبرز أن الجمال يكمن في سوداوية الأشياء وقتامتها كما هو المر في أعمال "فيكتور هوغو " البؤساء"  أو كتابات زفزاف وشكري تلك اللمسة الخفية التي تقلب كل الموازين وتخلق التعاطف إلى أقصى حد لأن الواقع أكبر من أن نترجمه فنيا في أعمال هيمنت بقدر ما تبرزه أخرى جاءت على أنقاض الحروب القاسية لتذكير الانسان بفظاعة ما ترتكبه يده وأفكاره من آلا لام ومآسي .
هكذا فنص مذهب يحتمل أكثر من قراءة ربما بعيدا عن السخرية التي كانت منطلقا في تحليلنا له . وحجتنا في ذلك أن السخرية تيمة أطرت أعمال القاص جمال الدين الخضيري  حتى لا يكاد نص يسلم من وخزها باستحضار أحداث سابقة من خلال اللعب على التناص كما هو الأمر في نص " ثورة" ص 86 و" حرب داحس والغبراء " ما يعيد للأذهان النعرات القبلية التي اشتدت أوار معاركها لأسباب تافهة ، إنها صور أشبع بلعب الأطفال وصراعاتهم الصغيرة التي نشب داخل الأحياء في الوقت الذي تتحول إلى  معارك ضارية بين الأمهات بعد تفسخ دائرة الصراع  الأولى (الصغيرة) واستئنافها للعب من جديد على ايقاع فرجة مريرة على أحقاد الكبار .
5)الحلم
أليس الحلم مجالا لتفجير مكبوتات الذات وتحريرها من كل القيود والمعيقات التي تكبلها ؟ ، كيف تتحول سلطة الحلم إلى قوة  تفوق كل السلط  القاهرة والمتمنعة ؟
مجال الحلم يضحى دوما عالما مفتوحا وقابلا لتحقيق الرغبات المقموعة ، أمر نلمس في نص " مجرد حلم " ص 25 كيف تتم ترجمة الأحلام وكيف تمنح السارد جرأة وقوة وبأسا تجاه مديره إلى درجة  وصلت حد سقوطه أثناء الحلم من فوق السرير ليصحو مقررا إتباع نفس الخطوات الحلمية لحظة اليقظة لكن ما صدم قارئ النص أنه عندما وجد نفسه في نهاية المطاف أمام مفارقة بليغة يقول السارد "  أليست الحياة برمتها في نهاية المطاف مجرد حلم " لكن هذا الحلم قصد يظل مطية من خلال الواقع لتعليل سلوك او تبريره كما هو المر في نص "  حلم بالمقلوب "  ص 29 من خلال ما نلمسه من دهاء البطلة ومراوغتها وقدرتها الهائلة على المناورة ، ما يحول النص دعوة  مغلفة بقناع يهدف إلى التوريط والإقناع وتمرير طلب بشكل غير مباشر ، فالبطلة التي رصدت ضحيتها الذي تظهر عليه أثار النعمة وهي منزوية في طاولتها دون القدرة على أداء ثمن وجبتها تناور للحصول على مبتغاها من خلال اللجوء إلى الحوار والاقناع وهو ما تم بالفعل يقول السارد "
 ..(..) هل تعلم بما حلمت ليلة أمس ؟
ـ هل هو حلم بالمقلوب أيضا ؟
ـ أكيد
ـ و بماذا حلمت ؟
ـ تصور لقد حلمت أنني اقتحم عليك مائدتك وأدفع ثمن وجبتك " ص 29
حلم بالمقلوب هو تأكيد لدهاء المرأة في مواجهة الرجال ودغدغة لغرورهم لانتزاع منهم بالرفق ما لا ينتزع بالشدة .
إن الحاجة هي الدافع الحقيقي نحو المناورة والتحايل أمر قد يورث نوعا من الجنون والخبل لكل من كانت طموحاته أقل من إمكانياته وتطلعاته تفوق درجات الواقع بحيث تجنح في الخيال والأحلام . إننا لا نستكثر على المرء طموحه ولا نبخسه حقه في الحلم ولكن بقدر ما تعبر تصرفاته عن خبل حقيقي  تبرز أن حب التملك غريزة بقدر ما هي سلوك مكتسب مع الوقت ناتج عن الإحساس بالقيمة التي تضيفها الأشياء المادية لحياة الفرد في نظر محيطه يقول السارد "
1 ـ وجد صفيحة جواد
2 ـ طار فرحا ، صاح جذلا : لم يتبق لي غير ثلاث صفائح وجواد حتى أصبح فارسا " ص 36
الحلم  كذلك قد يحول النص إلى متاهة مليئة بالتسويف والانتظار أمر يخلق ارتباكا يصعب التخلص منه بسهولة ، في حين نلاحظ أن بناء نص" احتلام " ص 51  اتخذ مسارا تصاعديا بحتا عن حل ناجع لورطة إشراك المتلقي الذي يصبح طرفا في اللعبة ، كما هو الأمر في نص " الفراق " ص 8  فالبطل   ظل يحوم حول هدف محدد " السيارة / و المرأة " فبين ما تثيره النساء من رغبات وغرائز طبيعية وبين ما تخلفه السيارة من شعور قد يكون "مماثل أحيانا " تظل الحاجة إلى الامتلاك والاستغلال  هدفا مشتركا لتحقيق متع مختلفة لكنها تظل في خدمة أنانية عاشق واحد . أما في نص " الرجل الطائر " 81 فإننا نلمس توظيف المثل الشعبي حيث سيتحول الحدث من حدث محكى عنه إلى حدث معاش وله استمرارية زمنية ومكانية نظرا لما يميز خطاب النص من تدخل " أنا" السارد " كنت ببالي " وهي توظيفات  تجعل من السرد يوهم بواقعية ما يحدث رغم بعد المسافة الفاصلة بين زمن السارد وزمن " عباس بن  فرناس " من خلال الإحالة المكانية " كنت في قرطبة" ثم اختزال مسافة زمنية أخرى " إلى يومنا هذا " تأكيدا على حاصر معاش كذلك وكأننا إزاء سارد سرمدي .هذه الملاحظة الأولى تقودنا إلى ملاحظة ثانية هو كوننا نلمس توظيفا للمقولة الشعبية " الا تعلم أن الله إذا أراد أن هلاك نملة أنبث لها جناحين " في حين تتجلى الملاحظة الثالثة من خلال اللعب على تحيين الخبر من خلال اللجوء إلى الوصف لمنحه نوعا من الإثارة والإيهام بالواقعية ، ثم تأجيجه إلى الذروة وتركه مفتوحا على بياض من خلال رد فعل البطل ( عباس ) الذي ركب التحي يقول السارد " قال ساخرا ، ياعرة الأقوام ، لن تستطيعوا أن تجنحوا بغير جناح " ثم الملاحظة الرابعة تتجلى في استمرار الحديث عن الغياب باعتباره غياب محسوس الأثر من خلال رد الفعل  الذي يسمعه السارد " فإلى يومنا هذا كلما سمعت أزيزا في السماء إلا ورأيته هناك محلقا بجناحيه مصفقا "
إنه رجل واحد استطاع أن يحول تاريخ الإنسانية من خلال الإقدام على تحقيق حلم شخصي رغم تحوله لفاجعة إلا أنه سيفتح الباب لتكرار المحاولات اللاحقة من الخطأ والصواب في مجال الطيران الذي سيحول الحلم القديم إلى حقيقة .
وفي الختام نشير إلى كون فقاقيع جمال الدين الخضيري هي رصد فني لأقسى مظاهر الفوضى الإنسانية في أسلوب ساخر انتقد من خلاله منظومات بأكملها مبرزا تفسخها الأخلاقي وانحطاط أذواق شخوصها وتعرية عن الوجه القدر للمجتمع . يشيرالدكتور جميل حمداوي "بأن جمال الدين الخضيري قد تملك فعلا آليات القصة القصيرة جدا بناء وتشكيلا وقضية. وبالتالي، فقد استطاع أن يتمثل أدواتها الفنية والجمالية نظرية وتطبيقا، فتفوق فيها كل التفوق إبداعا وتناصا وتهجينا وتلغيزا وتنكيتا وتكثيفا. والسبب في ذلك أنه أحسن استيعاب أركانها وشروطها أيما استيعاب كتابة وتعبيرا وصياغة، كما يتجلى ذلك واضحا في نصوصه القصصية القصيرة جدا، تلك النصوص التي أثارت القراء بروعتها الفنية والجمالية أيما إثارة، وأثرت عليهم بسحرها الأخاذ أيما تأثير"  (3)
هكذا تضحى قصصه الق ج  حمالات لمواقف وقضايا إنسانية موجعة جدا من عمق فضاءات متعددة  لتعلن احتجاجها الصارخ وترفع عقيرتها بالرفض ضد التهميش والإقصاء والنبذ . نصوص كتبت بلغة رصينة عملت على إحياء اللغة من جهة وأعلنت جدارة الق الق جدا بامتياز . ما يجعله في مصاف الكتاب الكبار لهذا الجنس .
لقد تفاوتت نصوص المجموعة بين الضمور والنحافة حد الهزال وبين الاكتناز الذي قربها أحيانا حد التماس من نصوص القصة القصيرة  لكنها عموما حافظت على مادتها الحكائية وملمحها وطابعها المميز المنتمي لجنس الق الق جدا ومقوماتها .
دخول جمال الدين الخضيري المهتم بالمسرح  غمار هذه التجربة أضفى طابعا خاصا وعزز الارتقاء بهذا الجنس من خلال توظيف تقنيات الكتابة المسرحية وتأثيثها السينوغرافي أحيانا أمر جعل بعض النصوص تضحى إضافة نوعية لهذا الجنس وسفر حقق متعة الانفتاح على أجناس أخرى ، يقول الدكتور عيسى الداودي " المتصفح لهذه المجموعة القصصية تطالعه كثير من النصوص التي تتقاطع مع الفن المسرحي أو تخترقها على الأقل بعض خصائصه ومميزاته . وبذلك تستوقفنا في هذه الأضمومة عدة نصوص ذات طابع درامي يغلب عليها التوتر وتميل إلى الصراع وكشف التناقضات بين الأفكار والمبادئ والتصورات ، وتدخل فيها الشخصيات في صدام مع بعضها بعضا " (4)فالمجموعة عموما حددت نظرة الكاتب نفسه وهواجسه الابداعية وعبرت عن ذائقته الأدبية وهو ما أدى إلى تفجير مجموعة من القضايا التي نتمنى أن توليها دراسات مستفيضة عناية كبرى  حول السلطة والجنس والكتابة والجنون لكونها نصوص استطاعت اقتناص لحظات حياتية هاربة بالاعتماد على المفارقة من جهة  ولطرحها ضمن سياقات  جديدة ، فاللغة وظفت بشكل سلس  وضمن سرد بإيقاع سريع ضمن جمل اعتمدت الوصف غير المبرح وغير المعيق ووظفت ضمن متقابلات أو أضداد أو مترادفات أو اشتقاقات ما جعلها مسربلة بجروح جديدة وبجنون كبير وعنفوان وجموع فهي بقدر ما تعكس من تفاصيل مقلقة فنيا فإنها توقظ بداخلنا الرغبة في انطلاق حوار رهيب وتعمل على فضح ما بقي مخفيا من جبل الجليد الطافي على سطح مظهرنا ترجه بحيادها وتعلن عن زيف مساحيقنا التي نداريها بتفاهتنا وجنوننا وخبتنا ومكرنا

ـــــــــــــــــــــــــــ
1)  جمال الدين الخضيري: فقاقيع، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010
تحتوي المجموعة على سبعة وثمانون نصا وهي من الحجم المتوسط  لوحة الغلاف للفنان فاسيلي كاندانسكي 
 (2)  مصطفى قيمة " في جمالية القبح " المنعطف الثقافي العدد 345 يوليوز 2011
(3) الدكتور جميل حمداوي  مستويــــات القصة القصيرة جدا عند جمال الدين الخضيري (مقاربـــة ميكروســـردية) موقع درووب 8 يونيو 2011


(4) الدكتور عيسى الداودي  " انفتاح السرد في المجموعة القصصية فقاقيع لجمال الدين الخضيري المنعطف الثقافي العدد 343 ماي 2011



 
  حميد ركاطة - المغرب (2011-10-03)
Partager

تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

رصد فني لأقصى مظاهر الفوضى الإنسانية بأسلوب ساخر
قراءة في مجموعة

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia