شعور خاطف-عبد الواحد البرجي-زاكورة-المغرب
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
شعر

شعور خاطف

  عبد الواحد البرجي    

بعد أن يتلاشى الضوء في ظلمة الليل الدامس ، ساعة بعد صلاة العشاء ، يخيم الهدوء على قريتنا ، ما عدا حركة بعض الحشرات التي تلف على أعمدة الضوء الخشبية ، واحد قبالة باب القرية ،حيث ينزوي السي المكي ‘ داخل جلبابه النتن ،و ثان قبيل المسجد ،وثالث يطل بضيائه على مقر الجمعية  النصف مغطى  و يبعث أشعته إلى المقبرة لينفث وحشة السكون السمج و يطرد خيالات العالم السفلي عن حارسها التهامي ، قبل أن تستسلم هي الأخرى لأفيون الليل البهيم عند حدود الساعة الثانية ليلا ، ساعتئذ أجدني وحيدا أتمطط على حسير ردئ الأعواد، من فوقه "بحطيط" مطرز بأوبار الغنم . تساورني أوهام كثيرة ، أتخيل الملاءة من فوقي تطير مستسلمة لأشباح الظلام .
آه كيف للنوم أن يخدر جفون عيني؟,و أنى للسنان أن يغشاني؟ ، فالكل من حولي قد غط في السهاد ،حتى الحيطان لم تعد تسمع لهلوساتي و عذباتي ،والهواء المتدفق من الكوة توفق عن التموج و التهادي ،أوهم نفسي بأن لي رغبة في معانقة الكرى،فيخيل إلي سربروس بأفواهه الثلاثة يحاول أن يلتف حول جسدي المحطم الصموت ،يتحلل جسدي حينها دون رغبة في الحركة ، أقاوم الكابوس ،أهمهم ،أدندن ،أغرد في صمت كالقمرية على فرع غصنها المياد ، لكن الظىلام يخيل إلى من جديد يتكوم في صورة أشباح تظهر ثم تختفي في خفة البرق ، تحسست جسدي المنهاك ،ألفيت العرق في خفقان و صبب دائمين ، وددت عبثا أن أخلق لنفسي عالما آخر بعيدا عن وحشة الليل وغياهبه اللاهسة ،فتذكرت نفسي داخل حجرة الدرس أستاذا أكاديميا أحاول أن أزيح الغبش عن تجربة الغربة و الضياع في الشعر الحديث ،الشوق والاعتزاز بالشاعر الحديث يخلبني ، لكن الصمت أطبق مخالبه على مخيلتي مرة ثانية . فجأة اخترقت سمعي طقطقة آتية من تحت الوسادة ،حمحمت و همهمت لكي أتفادى ذلك الصوت ،لكنه يشبه دبيب الحلزون، يسير في نغم غير منقطع ، اجتاحني وقتها إحساس غريب أصبحت حياله كطفل هرع بل فزع من مواء قط لم يلحظه قط، كادت عيني أن تدرف الدمع ،تمالكت نفسي قليلا ،حاولت أن أجمع قواي من جديد ،تذكرت جدتي في ثوب شهرزاد ،جالسة على مصطبة الباب ،تكسر نواة التمر أطرافا صغيرة لتكون سائغة للخراف و هي تحكي لنا قصة يمتزج فيها الجد بالهزل و الخيال بالواقع ، "يا أبنائي إن أناسا يعيشون في عالم لا تعرفون عنه إلا القليل يساعدوننا على تربية الخراف قبيل العيد فلا تتفاجؤا حينها بأصوات قد تملأ مسامعكم ليلا"
 ... اللعنة ، هل اقترب العيد ، لم يساعدوننا قبل الأوان ؟ وعلى حين غرة أخذ السهاد يراودني ، كان ذلك وقت السحر ،لكن وقع الخطى أيقظني على التو ،كانت أمي قد أحضرت آنذاك مرجلا به ماء ساخن  بغية الوضوء ،
نادتني من الكوة : يا بني قم لتتوضأ فتصلي ، الماء خلف الباب ..."  ، كان وقع كلامها كما لو أن ذبابة حطت على جبيني فطردتها بعيدا ، ذهبت في غطيط ، فجأة رن الهاتف ، نظرت إلى الساعة وجدت عقاربها تشير إلى العاشرة صباحا، ابتسمت قليلا على امتعاض ونهضت توا من الملاءة...



 
  عبد الواحد البرجي-زاكورة-المغرب (2012-03-01)
Partager

تعليقات:
سميرة /المغرب 2014-05-07
قصة رائعة و أسلوب أروع وفق الله
البريد الإلكتروني :

حبيبة القنديل /المغرب 2013-03-09
لقداعجبت كتبرابهده القصةانه اسلوب رائع يا استادي العزيز ونعم الاستاد وانا لي الشرف لكي اكون من بين تلامدتك والسلام.
البريد الإلكتروني : basima09@hotmail.com

مصطفى الحسناوي /زاكورة 2013-02-10
من دواعي السرور قراءة نص محبوك يعود بالذاكرة إلى نقطة البداية، و يذكرنا بنور الأيام و عتمتها التي لا نستطيع العودة إليها. شكرا لك أخي عبد الواحد.
البريد الإلكتروني : lf9ihgoob@hotmail.com

عبد الواحد البرجي /المغرب 2012-04-30
هذا جميل منك يا غزلان بارك الله فيك وجعلك من المتفوقين دائما شكرا على المرور الجميل
البريد الإلكتروني : valeur87@hotmail.com

غزلان الحروكي /شيشاوة 2012-04-28
شكرا لك يا استاذ على هذه القصة الرائعة فعلا انها تخلب الجوارح و تدخل صميم القلب ان اسلوبك يشبه الكاتب الكبير احسان عبد القدوس تحية لك يا افضل استاذ
البريد الإلكتروني :

الصديق بولجراف /تنزولين 2012-03-10
كلمات معبرة أحداث احلى وواقع مرير تابع يا أخي فإنك على الدرب الصحيح وفقك العلي الجليل
البريد الإلكتروني : saddik.30@gmail.com

عبد الواحد البرجي /المغرب 2012-03-07
مودعي الأستاذ محمد لعمر شكرا على مرورك التأملي الجميل جعلتني أتذوق النص من جديد تحياتي
البريد الإلكتروني : elbarji87@hotmail.fr

محمد لمعمر /المغرب 2012-03-06
جميل ياهدا...انها لغة الاعماق المتدفقة عبر نهر الروح الانسانية .كلماتك .صيحة وجودية عميقة أتية من شاطيء العالم الداخلي .حيث الصمت والفناء .والرغبة في البحث عن زمن جديد مسيج بنور الساعة الابديةالت تسعى الى التوطن في تخومها .غير أن ظلام الوجود الحالك يحول دون تحقيق دلك.لكن رغم دلك. تواصل الرحلة متنقلا من درب الي أخر .وهكدا...محمد لمعمرأستادالفلسفةتحياتي.
البريد الإلكتروني : mohammed222@live.fr

عبد الواحد البرجي /المغرب 2012-03-03
مودتي الأخ عبد المجيد ،شكرا على اهتمامك بما أكتب ، لست من اولاد سليمان ولا أعرف عنه شيئا
البريد الإلكتروني : elbarji87@hotmail.fr

عبد المجيد رفيق /زاكورة 2012-03-01
جمبل جدا أن نكتب عن عذاباتنا و مشاعرنا انه الابداع و سحر الكلمات التي تسكننا و نسكنها و فق الله اظنك من اولاد سليمان البحطيط
البريد الإلكتروني :

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

شعور خاطف-عبد الواحد البرجي-زاكورة-المغرب

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia