كفى من قتل الآباء-الزبير بن بوشتى
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
كلام مباح

كفى من قتل الآباء

  الزبير بن بوشتى    

عن دار كاباريه فولتير ببرشلونة صدر للمترجمة المغربية رجاء بومديان المتني الترجمة الإسبانية لكتاب محمد شكري ”پول بوولز وعزلة طنجة“.
”پول بوولز وعزلة طنجة“ كتاب لا يشبه كتابي ”تينيسي ويليامز في طنجة“ و ”جان جنيه في طنجة“ في شيء، ذلك أن محمد شكري بكتابته عن پول بوولز لم يقصد التوثيق ليومياته مع هذا الأخير كما هو الحال مع الكاتبين ويليامز وجنيه اللذان سجل كل تفاصيل تسكعاته ونقاشاته معهما في فترات متفاوتة في الزمان والمكان الطنجيين. في كتابه عن پول بوولز حرص شكري على أن يطل على قرائه بأسلوب أنضج من سابقه وبلغة خاضعة للفصاحة القصوى، وبمحتوى مختلف أصر على أن يعمقه بالبحث ويغنيه بالمراجع والحواشي والهوامش. إنها رحلة يقترح فيها شكري على قرائه أن يشاطروه متعة قراءاته واستنتاجاته بل وأحكامه القاسية حتى. عناوين كتب وأسماء كتاب وأحداث ونوادر يحكيها شكري ببراعة كاتب وإن لم يعش بعضها فهو الشاهد القريب من الذين عاشعوها والعارف بتفاصيل العلاقات التي تنسجها شخوصها فيما بينهم. يعتمد العنعنة (عن فلان) في رواية أحداث ووقائع ليضفي المصداقية عليها وليتحلى بموضوعية المؤرخ الشاهد مبتغيا  نزاهة و حياد الكاتب إزاء ما يكتب. فهل حقق شكري هذا الحياد؟ هو الكاتب لذاته وبذاته ومن أجل ذاته. محمد شكري الكاتب الذي مر بمحاذاة الرواية ليكتب سيرته الذاتية تحت أكثر من عنوان.
لم يكن لشكري أن يكتب هذا الكتاب لولا التسبيق الذي تسلمه من دار نشر ألمانية مقابل تأليف الجزء الثالث من سيرته الذاتية. غير أن شكري وكعادته في علاقته البسيكولوجية بالكتابة ظل يؤجل المشروع لأكثر من سنتين، وتحت الضغط الملح للإلتزامه تجاه الناشر الألماني ارتأى المغامرة بالكتابة عن بوولز. بالفعل فقد كانت مغامرة  بل مخاطرة كبرى أن يكتب شكري عن پول بوولز... أن يستبدل أباه الطبيعي في ”الخبز الحافي“ بأبيه الأدبي في ”پول بوولز وعزلة طنجة“. لم يكن كتاب شكري عن بوولز مغامرة محفوفة بالمخاطر فحسب، بل كانت وخيمة العواقب أيضا، ذلك أن شكري ظل يعاني من عقدة هذا الكتاب إلى أن مات. وأتذكر أنني سألته يوما في حوار مطول:
”- عندما كتبتَ كتابك عن پول بوولز هل يعني هذا أنك تخلصتَ في حياتك من اسمه؟
فكان جوابه:
- نعم، لدرجة نسيت أني صاحب هذا الكتاب.
- كما تخلصت من عقدة الأب في الخبز الحافي؟
- نعم، مثلما تخلصت من عقدة الأب التي كانت تصاحبني وترجمني من كل الجهات. وبكتابي عن پول بوولز أكون قد قتلت الأب الثاني. فكفى من قتل الآباء (يضحك منتشيا)“.



 
  الزبير بن بوشتى (2012-06-22)
Partager

تعليقات:
أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

كفى من قتل الآباء-الزبير بن بوشتى

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia