جحود المثقف المغربي-يونس إمغران
Strict Standards: Declaration of ezSQL_mysql::query() should be compatible with ezSQLcore::query() in /home/aladabia/public_html/admin/lib/ezSQL_mysql.php on line 0

Strict Standards: Declaration of ezSQL_mysql::escape() should be compatible with ezSQLcore::escape() in /home/aladabia/public_html/admin/lib/ezSQL_mysql.php on line 0
طنجة/الأدبية، الجريدة الثقافية لكل العرب. ملف الصحافة 02/2004. الإيداع القانوني 0024/2004. الترقيم الدولي 8179-1114 

 
مساحة للنقاش

جحود المثقف المغربي

  يونس إمغران    

   الاعتراف بالفضل خلق إنساني عظيم، غير أنه نادر، وغير منتشر بين أغلب الناس. وهو خلق يزين النفوس الكبيرة، والضمائر الحية، والأرواح السامية.
      والفضل قد يكون ماديا، كما قد يكون معنويا. ومن الصعب أن نفرق بين الفضلين، أو أن نميز بينهما، فنرفع من قدر المادي على المعنوي أو العكس. لكن هذه الصعوبة لم تمنع بعض الناس من ترتيب الفضلين، وترجيح أحدهما من حيث آثاره النفسية والاجتماعية؛ بل وحتى المادية. لأن الفضل المعنوي كثيرا ما يسفر عن آثار مادية ملموسة تفوق تلك التي أنتجها الفضل المادي.
      واهتمام الأديان السماوية وعلماء النفس والاجتماع بضرورة تكريس هذا الخلق الرفيع وغرسه في النفوس، ليس له هدف إلا بناء الإنسان وفق منظور الكمال والصلاح، والارتقاء بالمجتمعات بما يحقق تنميتها، وضمان استمرار الحياة في إنتاج تفاعلها الحركي وفق قيم المحبة والتسامح والتعايش الإيجابي.
      وفي سياق ترجيح أحد الفضلين، نجد عددا من الناس، مفكرين ومثقفين وفقهاء، وآخرين من البسطاء، لا يترددون في القول بأن أكبر الفضل وأعمقه؛ هو فضل العلم والتربية. أي أن الاعتراف بفضل "فلان" أو "جماعة من الناس" في تعلمك وتربيتك، هو عين الاعتراف بالفضل. إذ لا شيء يعادل فضل العلم والتربية، وإن كان فضل الماء والطعام.
ولكن هذا الخلق الرفيع والنادر، قلما نجده في بعض المثقفين المغاربة الذين يسارعون إلى إنكار أفضال أساتذتهم عليهم كلما زادت تصانيفهم، وذاعت شهرتهم، وملأت صورهم المتحركة شاشات الفضائيات الوطنية والعربية.
وهذا الإنكار جحود عرف به الإنسان قديما وحديثا، حتى قيل "اتقي شر من أحسنت إليه".
فكم من أديب هاجم أستاذه بمجرد ما استوى عوده النقدي.
 وكم من مفكر أخرج بعضا من أساتذته من دائرة المفكرين والمثقفين بمجرد ما أن وصفه الإعلام ب"مفكر عصره".
وكم من شاعر هجا من علمه، ورماه من قوس الشعر بآلاف من سهام الذم والقذف والسب والشتم والتجريح.
      غير أن هذا لا ينفي وجود آخرين رفعوا أصواتهم عالية بالاعتراف والإشادة بمن علموهم وربوهم وأنعموا عليهم بعطفهم الأبوي وحدبهم العلمي الإنساني. حيث نجد في تراثنا نماذج رائعة من هؤلاء، والذين لا أخالهم إلا أنهم تمثلوا قوله تعالى "ولا تنسوا الفضل بينكم"، وقوله صلى الله عليه وسلم "تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه".
      لكن الجاحدين لفضل تعليم أساتذتهم عليهم كثر، ويصعب حصرهم. والحديث، هنا، يطال من بات اليوم معترف به كمفكر ومثقف، وأضحى لا يغادر مطارات المدن المغربية والعربية إلا لينتقل إلى أخرى، من "شدة الطلب" على مشاركاته في هذه الندوة أو تلك.
      وفي هذا الصدد، "صدمت" مؤخرا باطلاعي على دراسة صغيرة لمفكر مغربي، يصنف نفسه ضمن خانة المثقفين القوميين العرب، كتبها عن أستاذه ومعلمه المفكر العربي المغربي الكبير محمد عابد الجابري رحمه الله. حيث كنت أظن وأنا أطالع الدراسة، أن صاحبها يرمي من ورائها إلى رد الدين لأستاذه، والاعتراف بالتالي بفضله عليه علما وأدبا وخلقا، خصوصا وأن الراحل الجابري علم صاحب الدراسة المبادئ الأولى للفلسفة، وكشف له عن الطرق القويمة لتجويد قراءة التراث العربي الإسلامي ونقده، وفتح له أبواب دمشق وبيروت وعمان بما حقق به أحلامه المادية والمعنوية والرمزية. لكن كل ذلك لم يشفع للراحل، ولم يصنع من تلميذه ذاك الرجل الوفي والمخلص والمعترف بالفضل والجميل.
      وقد استهل تلميذ الجابري دراسته المختصرة بعبارة معسولة يقول فيها "لا يؤاخذننا أحد على وضع متن الجابري موضع فحص تقني، فيحسبن ذلك محاولة منا للنيل من عمل الرجل، أو عقوقا لا يستحقه من فتح أمامنا درس التراث وتاريخ الفكر، ذلك أننا لا نفعل سوى ما صرف، هو نفسه، شطرا من حياته والزمن يناضل عنه، ويدعو إليه: امتشاق سلاح النقد، وعرض الانتاج الفكري على المساءلة المعرفية التي تضع اليقينيات موضع المراجعة". ثم ينطلق التلميذ الجاحد في عملية نقد – عفوا – هدم مفضوحة لهرم فكري احتل بإنتاجاته الفكرية والثقافية رأس البناء الثقافي العربي الحديث، حتى وصفه الكثيرون ب "ابن رشد" في طبعة جديدة منقحة وبديلة.
      وأول شيء هدمه هذا التلميذ، هو مؤلفات الجابري التي اعتبرها عادية، باستثناء كتبه الأربعة في "نقد العقل العربي". ثم تطرق إلى مفهوم "القطيعة الإبيستيمولوجية" الذي وظفه الجابري في قراءته للتراث الفلسفي المغربي والمشرقي، حيث يذهب التلميذ إلى القول، أن هذا المفهوم استخدمه الجابري منتزعا من سياقه المعرفي، ومن ثمة لم يأت متناسبا فيما وظفه، وكان أقرب "إلى الإقحام القسري والتعسف في الاستخدام". بل يؤكد التلميذ الجاحد على أن هذا المفهوم ألحق الكثير من الحيف والإجحاف بالفلسفة المشرقية من دون مبرر مقنع، وأدى إلى تنمية نزعة تعصب غير مبررة للمغرب وإنتاجه المعرفي.
      والجابري سمح لنفسه – حسب التلميذ – بانتزاع مساحة من الحرية واسعة في التصرف في دلالات المفاهيم التي استعارها من حقول علمية غربية مختلفة، وأعاد صياغتها بدلالات جديدة أو مغايرة لأصلها، الأمر الذي أفقدها – يقول التلميذ – "الحد الأدنى من شخصيتها الدلالية"، وعجز معها الجابري في تحقيق كبير نجاح في بيان حجيتها الجديدة. كما أن كتابات الجابري – حسب التلميذ – أسرفت "في الاستشهادات والاقتباسات المطولة إلى حدود تجاوزت المطلوب في الدراسات العلمية، لتجعل منها مطولات لا موجب لها".
      ويرى التلميذ أن أعمال الجابري تنطوي على مشكلتين لا تقبلان التجاهل: أولهما أنه لا يصرح بمصادره ومراجعه العربية التي يعتمدها في كتاباته، وخاصة تلك التي تنتمي إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر. وثانيهما هي أن الجابري استفاذ كثيرا، فيما كتبه، من مساهمات باحثين عرب معاصرين، دون أن يذكر أسماءهم أو عناوين أعمالهم. ومنهم فهمي جدعان الذي نسخ الجابري كتابه "محنة أحمد بن حنبل" حرفيا. وفي هذا السياق يستخلص التلميذ أن القيم الأكاديمية تواضعت في الكثير مما كتبه حول التراث وتاريخ الفكر.
      والطريف العجيب، هو أن التلميذ عاد في نهاية دراسته الصغيرة والقصيرة إلى كتب الجابري المتعلقة بنقد العقل العربي ليتراجع عن وصفها في بداية دراسته ب "الكتب الجواهر"، ويجزم بالقول أن الجزأين الأخيرين لا يمتان بصلة بالجزأين الأولين منهجيا وفكريا. أي أن الجابري لم يكن موفقا في إلحاقهما بمشروعه "نقد العقل العربي".
      إن ما نقلته عن هذا الجاحد، لا يخفي وجود عدد لا بأس به، من الأسماء المثقفة المغربية التي لم تجد يوما حرجا في الاعتراف بما أسداه إليها معلموها من علم وتربية وتخليق. بل إن علماءنا قديما وحديثا تركوا لنا أقوالا ودراسات نقدية جميلة وعميقة عن أعمال شيوخهم، لا نلمس فيها تجريحا أو تطاولا أو تحقيرا. وقد عدت لكثير منهم فوجدتهم مجمعون على قول واحد عن أساتذتهم، يمكن إجماله في العبارات الآتية: امتازوا بكثير الاستحضار، وحسن المفاكهة، واشتغلوا بالعلم، وبرعوا في علوم متعددة، وسارت تصانيفهم في البلاد في حياتهم، وانتفع بها الناس بعد وفاتهم، وأخذنا عنهم علمًا جمًّا، وكانوا كثيرَ التَّودُّد لا يحسدُون أحدًا ولا يحقدون ولا يستغيبون".



 
  يونس إمغران (2016-10-04)
تعليقات الفيسبوك:


تعليقات:
يسري /مصر 2017-01-30
رائع
البريد الإلكتروني : youssery11@gmail.com

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
الخانات * إجبارية
 
   
   
مواضيع ذات صلة

جحود المثقف المغربي-يونس إمغران

متابعات  |   ناصية القول  |   مقالات  |   سينما  |   تشكيل  |   مسرح  |   موسيقى  |   كاريكاتير  |   قصة/نصوص  |   شعر 
  زجل  |   إصدارات  |   إتصل بنا   |   PDF   |   الفهرس

2009 © جميع الحقوق محفوظة - طنجة الأدبية
Conception : Linam Solution Partenaire : chafona, sahafat-alyawm, cinephilia